قصف متلاحق واستهدافات متتالية لرجال الشرطة لم تثنِ الشهيد الشرطي محمود أبو جبل (40 عامًا) عن القيام بواجباته في حفظ الأمن، حتى استهدفه جيش الاحتلال الإسرائيلي وهو على رأس عمله في نقطة أمن جنوب غزة، ليترك وراءه ستة من الأبناء يدركون تمامًا أن والدهم لم يتراجع يومًا عن أداء واجبه الوطني.
منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حافظ أبو جبل على الذهاب لأداء واجبه الأمني في جهاز الشرطة الفلسطينية، على الرغم من الأوضاع الميدانية بالغة الخطورة، والاستهداف المتكرر لزملائه الذين ارتقى وأصيب الآلاف منهم في أثناء قيامهم بمهامهم في ضبط الأمن، كما تبين ابنته الكبرى أروى (١٧ عامًا).
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "بقيت أنا وأربعة من أشقائي في غزة، ولم ننزح إلى جنوبي القطاع، في حين نزح شقيقي الصغير الذي ولد في الحرب، وبالرغم من وجودنا في غزة لم نكن نرى والدي إلا كل أسبوع أو أسبوعين مرة، كان يأتي لتفقد أحوالنا ثم يعود لأداء عمله".
وتابعت حديثها: "في الفترة التي سبقت استشهاده، كنا موجودين في منطقة الثلاثيني، جنوبي مدينة غزة، في حين كان والدي في حي الزيتون. قليل ما كان يأتي لزيارتنا، لكنه كان يتواصل معنا باستمرار عبر الهاتف للاطمئنان على أحوالنا، وكذلك كان يفعل مع زوجته وشقيقي النازحين اللذين كانا نازحين في جنوب قطاع غزة".
وفي ليلة الاستشهاد، جاء محمود أبو جبل لتفقد أبنائه، عن تلك اللحظات تقول أروى:" قضى معنا عدة ساعات كان ينوي المبيت معنا ثم تراجع في اللحظات الأخيرة لأن لديه دوامًا، تركنا في التاسعة مساء وعاد لمكان عمله، وقد كانت الشرطة وقتها تعمل ضمن نقاط أمنية في الشوارع".
وأكملت حديثها: "في صبيحة اليوم التالي، 26 أغسطس/ آب ٢٠٢٤، أجرى اتصالاً هاتفيًا بنا للاطمئنان علينا. سألنا عن احتياجاتنا كي يرسل لنا ما نحتاج إليه، أخبرنا بأنه اتصل بزوجته واطمأن عليها وعلى شقيقي.. قلي ديروا بالكو ع حالكو ثم انقطع الاتصال فجأة".
وتابعت: "عاودنا الاتصال به فلم يرد، أصبح لا يمكن الوصول لهاتفه لبضع دقائق، ثم جاءنا اتصال من الهاتف نفسه يخبرنا بأن صاحبه قد استهدفه الاحتلال مع مجموعة من زملائه من الشرطة، وأنه قد استشهد".
هرعت أروى برفقة أشقائها إلى المستشفى الأهلي العربي "المعمداني"، وسط مدينة غزة، لوداع والدها.
"كان كل شيء سريعًا بين تلقي العائلة خبر استشهاده والصلاة عليه ودفنه.
وتقول أروى: "لم يتقاعس والدي عن أداء عمله الشرطي في أحلك الظروف، واستشهد برفقة ثلاثة من زملائه".
ولم يكن والد أروى هو الشهيد الوحيد من العائلة، بل استشهد أيضا عمها أحمد الذي يعمل في الشرطة أيضا، "كان عمي مع مجموعة من زملائه في منزلنا في حي الشجاعية في شهر ديسمبر/ كانون الأول ٢٠٢٣، حين دخل جنود الاحتلال إلى المنزل وأعدموهم بدم بارد، ليترك وراءه أربعة أطفال أيتام".
وفي الحرب أيضا فقدت أروى عمها محمد الذي ترك وراءه ستة من الأبناء، "نحن الآن ستة عشر يتيمًا جميعنا نعيش مع جدي وجدتي في خيام النزوح غرب غزة، في ظروف معيشية قاسية إثر فقدان بيوتنا في حي الشجاعية وفقدان آبائنا شهداء الواجب الوطني الذين عملوا لآخر لحظة بالرغم من عدم تلقيهم الرواتب".
وتكاد لا تمضي لحظة إلا وتتذكر أروى موقفًا مرت فيه هي وأشقاؤها مع والدهم الشهيد، "فهو حاضر في كل تفاصيل حياتنا، تتذكره في كل المواقف، فقد كان أبًا حنونًا عطوفًا، مهما تحدثت عنه فلن أوفيه حقه، كان يخاف علينا من الهوا الطاير، كان يخبرنا أنه سيعوضنا بعد الحرب عن كل ما مررنا به وعن الأوقات الكثيرة التي لم يكن معنا فيها".
ولا يجد أبناء الشهيد أبو جبل أمامهم سوى تنفيذ وصيته والمواظبة على حفظ القرآن والتفوق في دراستهم التي كانت هي الهم الأكبر لوالدهم الذي كان يحلم بأن يراهم وقد نالوا أرفع الدرجات العلمية، وهذا أقل نوع من الوفاء لوالدهم الذي تعلموا منه الانضباط وتحمل المسؤولية مهما كانت صعوبة الظروف.

