فلسطين أون لاين

سند الأسرة وصاحب مبدأ في خدمة الناس

خضر البنا.. خرج لإطعام الأسر المحاصرة فعاد شهيدًا

...
الشهيد خضر البنا (44 عاما)
غزة/ محمد حجازي:

في غزة، حيث تحولت الحياة إلى سلسلة من الاختبارات القاسية، لم يكن الشهيد خضر البنا (44 عاما) مجرد أب يبحث عن تأمين قوت يومه، بل كان أيقونة للتكافل الاجتماعي في ذروة المجاعة التي عصفت على نحو خاص بشمال القطاع.

غادر البنا منزله في واحد من أكثر الأيام حلكة، واضعا نصب عينيه نداءات الأسر التي أنهكها التجويع، غير مدرك أن غارة إسرائيلية غادرة كانت تتربص به في 27 ديسمبر 2024؛ لتنهي رحلة عطاء امتدت لعقود، وتصعد روحه إلى بارئها شهيدا على طريق الوفاء.

السند الذي لا يعوض

في منزل تملؤه ذكريات غيابه القسري، تجلس زوجته "هبة" (41 عاما)، تحاول استجماع شتات كلماتها التي تكسرها لوعة الفراق. تقول لصحيفة "فلسطين": "كان خضر بالنسبة لي ليس مجرد زوج، بل كان كل شيء في حياتي، هو السند والأمان، والأب الحنون الذي يغمرنا بوجوده".

تستذكر هبة بتأثر عميق التزامه الديني الذي طبع حياتهم بصبغة الطمأنينة، وتضيف: "كان من المواظبين على صلاة الجماعة في المسجد، وبشكل خاص صلاة الفجر التي لم يكن يفرط فيها يوما. أتذكر جيدا كيف كان يحرص بقلب الأب والمربي على إيقاظنا جميعا لأدائها، يوقظ فينا حب الصلاة ويوصينا بها كوصية مودع. لقد كان مجاهدا في سبيل الله قولا وفعلا، وكان لي شرف عظيم أن أكون زوجة لهذا المجاهد الذي نذر حياته لخدمة دينه وأهله".

وعن ألم الفراق الذي ضاعفه النزوح القسري، تتابع هبة بصوت مخنوق: "ما يزيد من وجعي ويحرق قلبي أننا لم نحظَ حتى بوداعه الأخير. أجبرنا على النزوح قسرا إلى جنوب القطاع خوفا من بطش الاحتلال، في حين بقي هو في الشمال يواصل أداء واجبه الإنساني والجهادي. كان البعد الجغرافي مؤلما، لكنه كان يطمئننا باتصالاته القليلة التي أصبحت اليوم كل ما نملك من ذكريات. رحل وهو بعيد عنا أجسادا، لكن روحه الطاهرة كانت ترافقنا في كل خطوة نزوح، رحل دون أن نلقي عليه نظرة الوداع، تاركا في قلوبنا غصة لا يداويها إلا لقاء في جنات النعيم".

وصية الأب المربي

لم يترك البنا لأبنائه إرثا ماديا، بل ترك إرثا من المبادئ التي تتحدى الفناء. ابنه "عبيدة" يروي لصحيفة "فلسطين" كيف أن والده لم يربهم على السكون، بل على تحمل المسؤولية.

يقول عبيدة: "كان أهم درس غرسه والدي فينا هو أن نكون أصحاب مبدأ مهما اشتدت الظروف. كان دائما يحثنا على خدمة الناس والالتزام بالصلاة، واليوم أحاول جاهدا تطبيق هذا النهج في تعاملي مع المحيطين بي، وتحمل مسؤولية إخوتي".

وعن علاقة الصداقة التي جمعتهما، يضيف عبيدة: "علاقتي بوالدي كانت أسمى من مجرد أب بابنه؛ كان الصديق الذي أستشيره في كل تفاصيل حياتي. وبالرغم من قسوة الظروف التي عشناها، كان حريصا على أن يكون قريبا منا، يسمعنا، يطمئن على أحوالنا، ويوجهنا بحكمة وهدوء. فقدانه ترك فراغا لا يملؤه بشر، لكن ما يربط على قلوبنا هو أنه ارتقى شهيدا عظيما".

اليوم، يجد عبيدة نفسه أمام عهد قطعه على نفسه بأن يكمل الطريق الذي رسمه والده. "كان والدي يشجعني دائما لأكون من المتميزين، وكان ينتظر بفارغ الصبر أن أنهي الثانوية العامة. الحمد لله حققت النتيجة التي كان يحلم بها، لكن قدر الله أن يرتقي قبل أن يراها. اليوم أواصل دراستي الجامعية، وسأبقى وفيا لكل طموح زرعه في قلبي، وسأكون سندا لأمي وإخوتي كما كان هو لنا".

وبينما يواصل عبيدة دراسته ويحمل مسؤولية أسرته، يبقى درس والده حاضرًا في حياته: خدمة الناس وتحمل المسؤولية؛ وهي الوصية التي جسدها خضر حتى آخر رحلة خرج فيها لإطعام الأسر المحاصرة، فعاد شهيدًا.

المصدر / فلسطين أون لاين