تدخل مدينة القدس والمسجد الأقصى مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب موسم "الأعياد اليهودية" الممتد من 12 سبتمبر/أيلول إلى 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهي فترة يتقاطع فيها أداء الطقوس التلمودية مع دعوات متصاعدة من جماعات إسرائيلية متطرفة لزيادة الاقتحامات داخل باحات المسجد، بالتوازي مع تشديد القيود على وصول الفلسطينيين إلى البلدة القديمة والأقصى.
ووفق التقويم العبري المنشور لعام 2026، يبدأ ما يسمى رأس السنة العبرية عند غروب 11 سبتمبر ويستمر حتى مساء 13 سبتمبر، ويحل ما يسمى يوم الغفران في 20 و21 سبتمبر، ثم يبدأ ما يسمى عيد العرش عند غروب 25 سبتمبر ويمتد إلى 2 أكتوبر، قبل ختام الموسم بما يسمى عيدَي شميني عتصرت وسمحات توراه حتى 4 أكتوبر.
ولا تكمن خطورة الموسم في كثافة المناسبات وحدها، بل في احتمال تحويلها إلى منصة لفرض وقائع دينية وسياسية جديدة داخل المسجد الأقصى، بما يمس الوضع التاريخي والقانوني القائم، ويقوّض الدور الحصري لدائرة أوقاف القدس في إدارة شؤون الحرم، ويستفز مشاعر المسلمين في فلسطين والمنطقة.
ويتفق خبيران على أن هذه التطورات تفرض على الدول العربية والإسلامية، وعلى الوصاية الهاشمية الأردنية، الانتقال من بيانات الإدانة إلى التحرك الوقائي العاجل، فحماية المسجد الأقصى ليست ملفًا فلسطينيًا منفردًا، بل مسؤولية سياسية وقانونية ودينية مشتركة، تبدأ بتوحيد الرسالة الدولية، وتفعيل القنوات الدبلوماسية، ودعم صمود المقدسيين، ومطالبة المجتمع الدولي بإلزام القوة القائمة بالاحتلال باحترام الوضع القائم ومنع أي تقسيم زماني أو مكاني أو طقوس استفزازية داخل الحرم.
محطة مفصلية
وحذّر الخبير في شؤون القدس حسن خاطر من أن موسم الأعياد اليهودية هذا العام قد يتحول إلى محطة مفصلية في مسار التصعيد داخل المسجد الأقصى، مؤكدًا أن الخطر لا يرتبط بعدد المقتحمين فقط، بل بطبيعة الأهداف التي ترافق الاقتحامات، وبالسعي إلى نقل الطقوس من كونها ممارسات فردية خارج الحرم إلى سلوك جماعي منظم تحميه الشرطة وتفرضه الجماعات المتطرفة كأمر واقع.
ودعا خاطر في حديثه مع صحيفة "فلسطين" الدول العربية والإسلامية إلى "إطلاق غرفة تحرك سياسية وإعلامية وقانونية مشتركة قبل بدء موسم الأعياد اليهودية، لا بعد وقوع الاعتداء"، مطالبًا بتكليف بعثات دبلوماسية بمتابعة كل خرق وتوثيقه ورفعه فورًا إلى مجلس الأمن والهيئات الدولية.
كما دعا إلى دعم دائرة الأوقاف الأردنية وتعزيز حضورها، وتوفير حماية سياسية للعاملين فيها، وإسناد المؤسسات المقدسية التي تواجه خسائر بسبب الإغلاقات. وقال: "الوصاية الهاشمية ليست عنوانًا بروتوكوليًا؛ إنها مسؤولية تاريخية وسياسية يجب أن تُترجم إلى فعل يومي، وإلى قدرة على الوصول والتوثيق والاحتجاج وطلب التدخل الدولي".
وأضاف: "الرسالة المطلوبة الآن يجب أن تكون واضحة: لا صلاة لغير المسلمين داخل المسجد الأقصى، لا تغيير للوضع القائم، لا شرعنة لاقتحامات جماعية، ولا قبول بتحويل الأعياد إلى منصة لفرض (ما تسمى) السيادة الإسرائيلية على الحرم. إن التأخر في التحرك سيجعل المجتمع الدولي يناقش حدود الانتهاك بدل مناقشة أصل الانتهاك، وهذه هي المعادلة التي ينبغي منعها قبل أن تبدأ".
وقال خاطر إن "المؤشرات المتراكمة تقول إننا أمام موسم مختلف عن المواسم السابقة؛ فالمسألة لم تعد اقتحامًا أو جولة استفزازية، وإنما محاولة ممنهجة لاختبار قدرة الاحتلال على فرض طقوس وصلوات وشعارات داخل المسجد الأقصى، ثم تحويل كل خرق إلى قاعدة جديدة يجري الدفاع عنها في الموسم التالي".
وأضاف أن "أخطر ما في هذا المسار هو التدرج: يبدأ الأمر بإدخال أدوات وقراءة نصوص أو أداء حركات دينية، ثم يتحول إلى صلاة جماعية، وبعدها إلى المطالبة بأوقات محددة ومناطق محددة، وصولًا إلى تقسيم زماني ومكاني لا يعترف به الفلسطينيون ولا دائرة الأوقاف ولا المجتمع الدولي".
وأوضح أن كثافة الأعياد، من رأس السنة ويوم الغفران إلى عيد العرش وختام الأعياد، تتيح للجماعات المتطرفة "روزنامة طويلة من الضغط المتواصل"، مشيرًا إلى أن كل يوم من أيام الموسم قد يستخدم لحشد مجموعات جديدة، أو لتنظيم مسيرات في البلدة القديمة، أو لتكثيف الحماية الأمنية للمقتحمين. وقال: "نحن لا نواجه طقسًا دينيًا معزولًا عن السياسة؛ نحن نواجه مشروعًا سياسيًا يستخدم الدين لتغيير هوية المكان، ويستخدم القوة لإجبار العالم على التعامل مع التغيير بوصفه واقعًا طبيعيًا".
وأكد خاطر أن "المسجد الأقصى أمام خطر كبير، لأن أي احتكاك واسع داخل ساحاته قد يفتح الباب أمام انفجار يتجاوز القدس إلى كل فلسطين والمنطقة".
وحذر من أن "إغلاق أبواب الأقصى أمام المصلين الفلسطينيين بالتزامن مع فتحها للمقتحمين، أو إبعاد الحراس والمرابطين، أو منع موظفي الأوقاف من أداء عملهم، ليست إجراءات أمنية محايدة؛ إنها أدوات لإعادة تعريف من يملك القرار داخل الحرم".
وأضاف أن الاعتقالات والإبعادات والقيود على البلدة القديمة "تستهدف البيئة البشرية التي تحمي هوية القدس"، موضحًا أن "صمود المقدسيين ليس تفصيلًا اجتماعيًا، بل خط الدفاع الأول عن المسجد".
تداعيات اقتصادية واجتماعية
من ناحيته، قال مدير مركز القدس للدراسات الاقتصادية والاجتماعية زياد حموري إن التداعيات المتوقعة لموسم الأعياد اليهودية لا تقتصر على ساحات المسجد الأقصى، بل تمتد إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية للقدس، محذرًا من أن القيود المتزامنة مع الاقتحامات قد تُستخدم لإعادة تشكيل الحياة اليومية في البلدة القديمة وإضعاف قدرة المقدسيين على البقاء والعمل والوصول إلى مقدساتهم.
وقال حموري، لصحيفة "فلسطين" إن "القدس لا تتوقف عن العمل عندما تُغلق بواباتها، لكنها تعمل في ظروف مختلة؛ فكل حاجز إضافي، وكل شارع يُغلق، وكل شاب يُبعد عن المسجد، وكل متجر يخسر ساعات البيع، يراكم كلفة اقتصادية واجتماعية تدفع العائلات المقدسية ثمنها".
وأضاف: "موسم الأعياد قد يبدو في الحسابات الأمنية فترة مؤقتة، لكنه بالنسبة للتاجر والسائق والموظف والطالب وسكان البلدة القديمة سلسلة من الأيام غير المستقرة، تتراجع فيها الحركة التجارية، وتزداد كلفة الوصول، ويصبح التخطيط للعمل والتعليم والرعاية الصحية أكثر صعوبة".
وأوضح حموري أن "الاقتحام لا يحدث في فراغ اقتصادي؛ فعندما تُغلق محاور البلدة القديمة لحماية مجموعات مقتحمة، أو تُفرض مناطق عازلة حول بوابات المسجد، فإن المتضرر الأول هو الاقتصاد المقدسي الصغير: أصحاب المحال، الأدلاء السياحيون، الحرفيون، والمطاعم والمواصلات".
وتابع: "إذا تكررت هذه الإجراءات خلال موسم يمتد أسابيع، فإن الأثر لا يُقاس بيوم واحد من المبيعات، بل بتراجع الثقة، وتراكم الديون، واضطرار بعض المنشآت إلى تقليص العمالة أو إغلاق أبوابها". وأشار إلى أن هذا الضغط يأتي في بيئة تعاني أصلًا من قيود الحركة وعنف المستوطنين والضغوط على السكن والخدمات، وفق المعطيات الإنسانية الأممية.
وربط مدير المركز بين الاقتصاد والهوية، قائلًا: "إفراغ البلدة القديمة من أهلها أو جعل الوصول إليها معقدًا ومكلفًا هو مسار يهدد القدس بقدر ما يهددها تغيير قواعد الصلاة داخل الأقصى. فالمقدسي الذي لا يستطيع فتح متجره، أو لا يستطيع الوصول إلى المسجد، أو يخشى الاعتقال والإبعاد، يُدفع تدريجيًا إلى الانسحاب من المجال العام".
وحذر من أن "فرض الوقائع الجديدة لا يتم فقط عبر الطقس داخل الحرم؛ قد يتم أيضًا عبر التحكم في الحركة، وتقييد العمل، وإضعاف المؤسسات، وتحويل القدس إلى مساحة مفتوحة للزائر المقتحم ومغلقة أمام صاحبها الفلسطيني".
ودعا حموري الدول العربية والإسلامية إلى إطلاق برنامج عاجل لدعم اقتصاد القدس خلال الموسم، يشمل مساعدة التجار المتضررين، وتمويل التوثيق القانوني، وتعزيز المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتوفير منصات إعلامية تُظهر أثر القيود على حياة السكان لا صورة الاقتحام وحدها.
وشدد على أن الوصاية الهاشمية الأردنية تحتاج إلى إسناد عربي وإسلامي "قابل للقياس"، موضحًا: "ينبغي أن تتحول الوصاية إلى محور تنسيق يومي بين الأردن وفلسطين والدول المؤثرة، مع آلية إنذار مبكر تتابع الدعوات إلى الاقتحام، وتوثق الانتهاكات لحظة وقوعها، وتحدد المسؤولية السياسية والقانونية".

