كان وزير خارجية بريطانيا فصيحاً في التعبير عن مزاج الشارع البريطاني، الذي أعطى حزبه الحق في تشكيل الحكومة، فصار وزيراً لخارجيتها، ويتحدث أمام برلمانها عن ممارسة المستوطنين العدوانية ضد سكان الضفة الغربية، وعن ممارسة الجيش الإسرائيلي الإرهابية ضد سكان غزة.
وزير الخارجية إدوارد ميلباند الذي أعلن أن وقوفه ضد إرهاب المستوطنين، لا يعني وقوفه ضد دولة إسرائيل، وأن العقوبات التي فرضها على منتجات المستوطنات الإسرائيلية لا تعني معاقبة إسرائيل، وأن التدخل البريطاني يجيء من باب الحرص على إسرائيل، وبهدف إنقاذها من قيادتها، وكل هذا الكلام السياسي دقيق، ولكن الأكثر دقة من ذلك هو المزاج العام للشعب البريطاني، وقد تحول من مؤيد بالمطلق للرواية الصهيونية يوم أصدر وعد بلفور 1917، وشجع قيام الدولة 1948، إلى مكذب للرواية الإسرائيلية، ورافض للمحرقة ضد أهل غزة، وقد تواصلت لثلاث سنوات، ليأتي إرهاب المستوطنين الفاجر ضد قرى الضفة الغربية ليملأ كأس الغضب البريطاني على مجمل السياسية الإسرائيلية.
وزير خارجية بريطانيا اليهودي إدوارد ميلباند لم يتحدث بلغة القيادة البريطانية أمام برلمان بلاده، بل تحدث بلغة الشارع البريطاني، لذلك كان قوياً وجريئاً وصادقاً، وهو يحاكي مزاج الشعب البريطاني الذي تحول من عبادة الصهيونية إلى عبادة رب الإنسانية.
بريطانيا في صحوتها الإنسانية ضد السياسة الصهيونية لا تمثل بريطانيا فقط، بل تمثل كل المزاج الأوروبي والأمريكي معاً، لذلك جاء انضمام 11 دولة وازنة في أوروبا إلى المواقف البريطانية لتأكيد حجم التحول الكبير والخطير في العقلية الأوروبية؛ التي وقف قبل مئة سنة بقضها وقضيضها مع دولة إسرائيل في عدوانها وطغيانها على المنطقة.
حديث وزير الخارجية البريطانية أمام البرلمان يؤكد أن عالماً جديداً قد ولد من رحم طوفان الأقصى.
عالم يصحو من الغفلة، ويفيق من الغفوة، ويضع يده على وجع البشرية كلها، وقد تجسد في الإرهاب الإسرائيلي البشع الذي تقزز منه العالم، وهو يرى المذابح ضد الأطفال، ويرى نزوح الملايين عن بيوتهم المدمرة، ويرى الدم يجري في شوارع غزة، ويرى نتائج الحصار، ونتائج القصف الإسرائيلي الذي لم يستثنِ امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً ولا عجوزًا.
لقد شكلت دماء أهل غزة قنديل الزيت الذي أضاء للبشرية كلها دروب الحرية، وأيقظ شعوب الأرض على الجرائم البشعة التي مارسها الإسرائيليون قبل مئة سنة، جرائم تواصلت عبر السنين حتى وصلت إلى حرب الإبادة الجماعية، التي حركت ملايين الجماهير لتهتف في كل المدن العالمية ضد الصهيونية، وترفع من شأن ومكانة القضية الفلسطينية.

