فلسطين أون لاين

"عين عينا" ورأس العين.. الاستيطان يطوّق قصرة من الجبل إلى المنازل

...
"عين عينا" ورأس العين.. الاستيطان يطوّق قصرة من الجبل إلى المنازل

لم تعد المعركة على جبل «عين عينا» جنوب نابلس تتعلق بخيام نُصبت فوق قمة جبلية أو ببؤرة استيطانية يمكن تفكيكها وإزالتها. فما يجري في الموقع خلال الأشهر الأخيرة يكشف مسارًا أوسع، تتحول فيه المرتفعات والينابيع والطرق الزراعية إلى أدوات للسيطرة على حركة الفلسطينيين وأراضيهم، في سياق يصل اليوم إلى حصار المنازل وملاحقة الأهالي في بلدة قصرة.

يقع الجبل بين بلدات تلفيت وقصرة وجالود وقريوت، ولم يعد مجرد نقطة جغرافية متنازع عليها. فارتفاعه الذي يقارب 950 مترًا، وموقعه المشرف على مساحات واسعة من جنوب نابلس، يمنحانه أهمية تتجاوز مساحته المباشرة؛ إذ تتيح قمته مراقبة نطاق واسع من القرى والأراضي الزراعية والطرق التي تصل بينها، وهو ما يفسر حساسية الموقع بالنسبة إلى سكان المنطقة.

في كانون الثاني/يناير الماضي، نصب مستوطنون خيامًا على قمة «عين عينا»، في خطوة أثارت مخاوف المجالس المحلية من إقامة بؤرة استيطانية جديدة. وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بحكم موقع الجبل في المجال الجغرافي الذي يصل قصرة بتلفيت وجالود، إذ إن تثبيت وجود استيطاني فيه يمكن أن يحول المكان من مساحة مفتوحة أمام السكان إلى نقطة للتحكم في حركة الأهالي ووصولهم إلى أراضيهم.

وقد وثقت جهات حقوقية إقامة البؤرة على قمة الجبل، في منطقة مصنفة «ب» وفق اتفاق أوسلو.

لكن ما جرى لاحقًا في قصرة منح تلك الخطوة دلالة أكثر خطورة؛ إذ انتقل الاستهداف من القمة الجبلية إلى منطقة رأس العين غربي البلدة، حيث أقام مستوطنون بؤرة قرب ثلاثة منازل فلسطينية، قبل أن يتحول وجودهم تدريجيًا إلى حصار فعلي للسكان.

ومع مرور الأسابيع، أصبح الوصول إلى المنازل الثلاثة مقيدًا، فيما أعلنت قوات الاحتلال المنطقة عسكرية مغلقة، ونصبت الحواجز والبوابات، وحولت أحد المنازل إلى موقع عسكري، وفق تقارير فلسطينية ودولية.

وفي الرابع من أيلول/سبتمبر، كان الحصار قد دخل شهره الأول، بينما مُنع متضامنون وصحفيون من إيصال الغذاء والدواء والمياه إلى العائلات المحاصرة.

الجبل الذي يضيّق الخناق على قصرة

تواجه قصرة منذ سنوات ضغوطًا استيطانية من أكثر من اتجاه. ومع إغلاق المدخل الشرقي للبلدة منذ سنوات، وتوسع المستوطنات والبؤر في محيطها، باتت الجهة الغربية واحدة من آخر المجالات المتاحة أمام السكان للتمدد العمراني والوصول إلى الأراضي الزراعية.

لهذا، ينظر الأهالي إلى جبل رأس العين و«عين عينا» بوصفهما أكثر من مجرد مساحة زراعية أو منطقة للتنزه. فالموقع يشكل منفذًا جغرافيًا للبلدة، ويضم نبع مياه ارتبطت به حياة السكان لعقود، فيما يصل الطريق المؤدي إليه بين عدة تجمعات فلسطينية.

ويقول رئيس بلدية قصرة، عبد العظيم الوادي، لـ«قدس برس»، إن السيطرة على الجبل تعني عمليًا تضييق الخناق على البلدة من جهتها الغربية، بعدما أصبحت محاطة بالمستوطنات والإجراءات العسكرية من جهات أخرى. ويشير إلى أن السيطرة على المنطقة تعيق وصول السكان إلى الأراضي المحيطة بمنازلهم ومصادر المياه.

ولا يرى الوادي ما يحدث في «عين عينا» بمعزل عن الحصار المفروض على ثلاث عائلات في رأس العين؛ فالبؤرة، وفق وصفه، لا تعمل منفصلة عن شبكة الطرق والحواجز والمناطق العسكرية، وإنما تأتي ضمن سلسلة من الإجراءات التي تجعل الوجود الفلسطيني في المكان أكثر صعوبة وكلفة.

حين تصبح المياه جزءًا من المعركة

تُعد المياه إحدى أكثر طبقات الصراع حساسية في المنطقة. فـ«عين عينا» و«رأس العين» ليستا مجرد تسميتين لموقع جبلي، بل ترتبطان بنبع تاريخي استفادت منه القرى المحيطة قبل وصول شبكات المياه الحديثة.

وتشير تقارير عن المنطقة إلى أن المستوطنين سيطروا خلال العام الحالي على النبع في جبل رأس العين، في تطور أضاف بُعدًا جديدًا إلى الصراع على الموقع، الذي يجمع بين موقع استراتيجي ومصدر للمياه وأراضٍ زراعية واسعة.

ويحذر ناشطون في مقاومة الاستيطان من أن السيطرة على المرتفعات والينابيع في هذه المنطقة تمنح المستوطنين قدرة أكبر على التحكم في الأراضي المحيطة، ولا سيما أن الموقع يضم أراضي مزروعة بالزيتون والعنب، إلى جانب مساحات تستخدم للرعي والزراعة.

وهنا لا تكمن المشكلة في مصادرة قطعة أرض محددة فحسب؛ فحين يصبح الوصول إلى الجبل مرتبطًا ببؤرة أو حاجز أو إعلان عسكري، قد تبقى الأرض مسجلة قانونيًا بأسماء أصحابها، لكنها تتحول على أرض الواقع إلى مساحة يصعب الوصول إليها واستثمارها.

من خيام على القمة إلى حصار المنازل

ما حدث في قصرة خلال آب/أغسطس يوضح كيف يمكن لبؤرة استيطانية صغيرة أن تنتج واقعًا أوسع بكثير من مساحتها. بدأ الأمر بخيام، ثم امتد إلى إغلاق طرق والاقتراب من المنازل، قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة وحصار.

وفي إحدى الهجمات أواخر آب/أغسطس، حاصر مستوطنون فلسطينيين داخل منزل في رأس العين، بالتزامن مع وصول تعزيزات من جيش الاحتلال واندلاع حرائق في أراضي المواطنين. كما أُصيب فلسطينيون وصحفيان أجنبيان خلال هجمات استهدفت قصرة وجالود في 29 آب/أغسطس.

ومع دخول أيلول/سبتمبر، بقيت العائلات الثلاث تواجه صعوبة في الحصول على احتياجاتها الأساسية، بينما استمر تقييد الوصول إلى المنطقة. وتشير تقارير حديثة إلى أن الجيش الإسرائيلي منع حتى متضامنين وصحفيين من محاولة إيصال الغذاء والدواء والمياه إليها.

وهكذا، لا تبدو قصة «عين عينا» منفصلة عن واقع قصرة، بل جزءًا من مسار تتداخل فيه السيطرة على المرتفعات مع التحكم بالمياه والطرق والأراضي. فالمعركة هنا لا تدور حول خيمة أو بؤرة وحدها، وإنما حول من يملك القدرة على الوصول إلى المكان، ومن يستطيع البقاء فيه، ومن يُدفع تدريجيًا إلى خارجه.

المصدر / فلسطين أون لاين+ وكالات