فلسطين أون لاين

تعيينات الكويت تفتح أزمة شرعية "الوطني".. ومطالب بانتخاب أعضائه

...
انتقادات واسعة لاختيار عضاء المجلس الوطني الفلسطيني في الكويت عبر التعيين بدلاً من الانتخاب
رام الله- غزة/ عبد الله التركماني

أثار اختيار شخصيات فلسطينية في الكويت لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني عبر التعيين، بدلاً من الانتخاب، انتقادات واسعة في أوساط سياسية ووطنية فلسطينية، وسط دعوات إلى إعادة النظر في آلية تشكيل المجلس، وإتاحة المجال أمام أبناء الجالية لاختيار ممثليهم بصورة مباشرة وحرة.

ويرى مراقبون الإجراء مهما كانت مبرراته التنظيمية أو السياسية، لا يمكن أن يحل محل التفويض الشعبي، ولا أن يقدّم إجابة مقنعة عن أزمة التمثيل التي تعانيها المؤسسات الفلسطينية منذ سنوات.

ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع يتصل بمستقبل المجلس الوطني الفلسطيني بوصفه الإطار الذي يفترض أن يجمع الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وأن يعكس تعدد قواهم السياسية والاجتماعية والجغرافية، وللتأكيد  أن عضوية المجلس لا ينبغي أن تُبنى على الاختيار المغلق أو المحاصصة أو التوافقات المحدودة، بل على انتخابات شفافة تضمن مشاركة مختلف الفئات، وتمنح الأعضاء شرعية واضحة يمكن مساءلتهم على أساسها.

وتتجاوز المسألة، وفق هذا الطرح، أسماء الشخصيات التي جرى اختيارها أو كفاءاتها الفردية. فجوهر الاعتراض يتعلق بالآلية ذاتها، وبالسؤال عن الجهة التي تملك حق منح التفويض، وما إذا كان تمثيل الشعب الفلسطيني يستمد قوته من قرار إداري أو من أصوات الناخبين، إذ إن هذا التعيين يكرّس الفجوة بين المؤسسات والقاعدة الشعبية، في حين يتيح الانتخاب تجديد الشرعية، وفتح المجال أمام الطاقات الشابة والمرأة والكفاءات المستقلة، وضمان تمثيل أكثر اتساعاً للجالية الفلسطينية في الكويت.

التعيين يكرّس التفرد

ورفض النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي، د. حسن خريشة، اختيار شخصيات فلسطينية لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني عن طريق التعيين، معتبراً أن هذه الآلية لا تعالج أزمة التمثيل، بل تضيف إليها أزمة جديدة تتصل بالشرعية والثقة، وتفتح الباب أمام مزيد من الانقسام داخل الساحة الفلسطينية.

وقال خريشة، لصحيفة "فلسطين" إن "التعيين لا يمكن أن يكون بديلاً عن إرادة الفلسطينيين، ولا يجوز أن يُقدَّم باعتباره طريقاً لإعادة بناء مؤسسة وطنية يفترض أن تمثل ملايين الفلسطينيين في الداخل والخارج".

وأضاف أن اختيار أعضاء المجلس الوطني يجب أن يستند إلى قاعدة واضحة ومقبولة، قوامها الانتخاب الحر والنزيه، أو إلى آلية انتقالية متوافق عليها علناً ومحددة زمنياً، لا إلى قرارات منفردة تفتقر إلى التفويض الشعبي.

وشدد على أن "المشكلة ليست في الأشخاص الذين يقع عليهم الاختيار، فقد يكون بينهم أصحاب كفاءة وتجربة ونضال، وإنما في الطريقة التي جرى بها الاختيار. حين يُستبعد الجمهور من صناعة ممثليه، تتحول العضوية من أمانة عامة إلى موقع يمنحه القرار السياسي".

وأكد خريشة أن المجلس الوطني لا ينبغي أن يكون مساحة لتثبيت موازين القوى القائمة أو إعادة إنتاج الاصطفافات القديمة، بل مؤسسة جامعة تعكس التنوع الفلسطيني السياسي والاجتماعي والجغرافي. وقال إن "المجلس الوطني الذي لا يشارك الفلسطينيون في اختيار أعضائه يفقد جزءاً أساسياً من وظيفته الوطنية. نحن بحاجة إلى مجلس يضم الداخل والشتات، والقوى السياسية والمستقلين، والشباب والمرأة، وأصحاب الرأي والكفاءة، لا إلى مجلس يعبّر عن دائرة ضيقة من التفاهمات".

وحذر من أن استمرار التعيين في أكثر من ساحة، ومن بينها الكويت، قد يترك انطباعاً بأن عضوية المجلس تُحسم بعيداً عن القواعد الشعبية، الأمر الذي يعزز الإقصاء ويضعف فرص التوافق. وأضاف: "لا يمكن بناء الوحدة الوطنية فوق شعور قطاعات واسعة بأنها غير ممثلة أو أن أسماء ممثليها تُفرض عليها. الشراكة ليست شعاراً، والتوافق ليس محاصصة، والتمثيل لا يكتمل إلا عندما يشعر الناخب أن صوته مؤثر وأن بإمكانه تغيير ممثله ومحاسبته".

ودعا إلى فتح حوار وطني شامل يحدد قواعد إعادة تشكيل المجلس الوطني، ويضع نظاماً انتخابياً يراعي ظروف الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده المختلفة، بما في ذلك الجاليات في الدول العربية والأجنبية. كما طالب بنشر معايير الترشح وآليات الرقابة والطعون والتمويل، حتى لا تتحول العملية الانتخابية إلى إجراء شكلي. وقال: "نريد انتخابات حقيقية، لا واجهة انتخابية لقرارات جاهزة. نريد صندوق اقتراع يسبق إعلان النتائج، لا إعلان أسماء يطلب من الناس التعامل معه كأنه تفويض".

ورأى خريشة أن رفض التفرد لا يعني رفض الحوار أو التوافق، بل يعني وضعهما في إطار مؤسسي معلن، وتابع: "المجلس الوطني يجب أن يكون بيتاً سياسياً لكل الفلسطينيين. ولا يجوز أن يتحول إلى أداة لإقصاء طرف أو مكافأة طرف أو تثبيت جهة واحدة في موقع القرار. الطريق إلى الوحدة يمر عبر الشراكة والانتخاب والتمثيل الواسع، لا عبر التعيين والاشتراطات المسبقة".

الانتخابات استحقاق وطني

من ناحيته، قال الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، لصحيفة "فلسطين" إن ملف الانتخابات الفلسطينية يجب أن يُنظَر إليه باعتباره استحقاقاً وطنياً يتجاوز الخلافات الفصائلية والحسابات الظرفية، مؤكداً أن تجديد المؤسسات لا يمكن أن يتم بصورة مستدامة من دون مشاركة شعبية واسعة وآليات انتخابية واضحة.

وأضاف أن "الانتخابات ليست ترفاً سياسياً ولا بنداً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الأزمات. هي إحدى الأدوات الأساسية لإعادة بناء الثقة، وتجديد شرعية المؤسسات، وإشراك الناس في تحديد من يمثلهم ومن يتحدث باسمهم".

وأبرز عوكل التعاون الإيجابي والتسهيلات التي تقدمها الجهات الرسمية في قطاع غزة للجنة الانتخابات المركزية، مشيراً إلى أن تهيئة الظروف أمام اللجنة للقيام بعملها الفني والقانوني تمثل خطوة ضرورية لإنجاح أي مسار انتخابي.

وقال إن "التعاون مع لجنة الانتخابات المركزية يجب أن يكون قاعدة عامة في كل المناطق، لأن اللجنة ليست طرفاً سياسياً، بل جهة مهنية يفترض أن تتولى التسجيل والإعداد والإشراف وفق القانون. وكلما أزيلت العوائق أمام عملها، اقتربنا من انتخابات أكثر نزاهة وأقل عرضة للطعن".

وأوضح أن التسهيلات المطلوبة لا تقتصر على السماح بالوصول إلى المكاتب أو عقد الاجتماعات، بل تشمل توفير بيئة عملية متكاملة تمكّن اللجنة من تحديث السجل الانتخابي، والتواصل مع المواطنين، وشرح إجراءات الترشح والاقتراع، وتدريب الطواقم، وضمان أمن المراكز، وتنظيم عملية الرقابة المحلية.

وأضاف: "نجاح الانتخابات يبدأ قبل يوم الاقتراع بوقت طويل. يبدأ من سجل ناخبين دقيق، وقواعد معلنة، وفرص متكافئة للمرشحين، وإعلام مهني، وآلية واضحة للشكاوى والطعون، ثم ينتهي بفرز شفاف وإعلان نتائج يمكن التحقق منها".

وأكد عوكل أن مشاركة الجهات الرسمية في غزة، وتقديمها التسهيلات للجنة، يمكن أن يساهما في بناء مناخ سياسي أكثر إيجابية، شرط أن يُستكمل ذلك بتفاهمات وطنية تمنع الإقصاء وتضمن تكافؤ الفرص. وقال: "المطلوب ليس أن تمنح أي جهة امتيازاً لطرف، بل أن تضمن للجميع شروطاً متساوية. اللجنة تحتاج إلى بيئة محايدة، والمرشحون يحتاجون إلى حق متساوٍ في الوصول إلى الجمهور، والناخب يحتاج إلى ضمانة بأن صوته سيُحتسب بعيداً عن الضغط والتخويف والتدخل".

وربط المحلل السياسي بين الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني وبين إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة التمثيل الشامل. ورأى أن اختيار أعضاء المجلس بالتعيين، خصوصاً في أوساط الجاليات، يضعف الإحساس بالشراكة ويحد من قدرة المؤسسة على تمثيل الفلسطينيين في الخارج.

وأضاف: "لا يجوز أن نطالب الناس بالالتفاف حول مؤسسات لا يشاركون في اختيارها. إن تجديد المجلس الوطني عبر الانتخاب، حيثما كان ذلك ممكناً، وبآليات توافقية مؤقتة حيث تفرض الظروف ذلك، هو الطريق الأكثر واقعية لاستعادة الثقة".

ودعا عوكل إلى تحويل التعاون القائم مع لجنة الانتخابات المركزية إلى خطوات عملية قابلة للقياس، تبدأ بإعلان جدول زمني، وتحديد المسؤوليات، وتوحيد الرسائل العامة، وضمان استقلال اللجنة، ثم إطلاق حوار سياسي يفضي إلى اتفاق على النظام الانتخابي.

وختم بالقول: "الانتخابات يمكن أن تكون مدخلاً لإدارة الخلاف لا سبباً جديداً للخلاف. وإذا تعاونت المؤسسات، وتراجعت لغة الفيتو والإقصاء، واطمأن المواطن إلى أن صوته محفوظ، فإن العملية الانتخابية ستتحول من إجراء تقني إلى فرصة وطنية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أساس المشاركة".

المصدر / فلسطين أون لاين