قائمة الموقع

الحرب التي لا تنتهي عندما يتوقف القصف

2026-09-08T08:59:00+03:00
فلسطين أون لاين

ما يحدث اليوم في شوارع غزة، وبين العائلات والناس، ليس منفصلًا عن سنوات الحرب الطويلة التي عاشها القطاع. كثير من مظاهر التوتر والعنف والانفعال وسوء التعامل والتفكك الاجتماعي التي نراها أمامنا قد تكون واحدة من ثمرات الحرب وآثارها المتراكمة.

الحرب لا تقتل الناس فقط، ولا تدمر البيوت والشوارع والمؤسسات. الحرب تضرب شيئًا أعمق بكثير: الإنسان من الداخل، والعلاقات بين الناس، والبنية النفسية والاجتماعية للمجتمع.

وهذه ربما تكون من أخطر الضرائب التي تدفعها المجتمعات بعد الحروب.

لماذا تكره الدول الحروب؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة أكبر بكثير من حجم الدمار الذي نراه بأعيننا.

الدول لا تخشى الحروب فقط بسبب الخسائر العسكرية والاقتصادية، وإنما لأنها تعرف أن آثار الحرب قد تمتد لعشرات السنين، وقد تنتقل من جيل إلى آخر.

فحين يعيش الإنسان سنوات تحت القصف والخوف والجوع والفقدان والنزوح، فإنه لا يخرج من الحرب كما دخلها.

قد ينجو جسده، لكن ذاكرته تبقى محملة بالخوف.

وقد يبقى المنزل قائمًا، لكن الأسرة التي تسكنه قد تكون قد تغيرت.

وقد يتوقف إطلاق النار، لكن حالة الاستنفار النفسي التي عاشها الإنسان لسنوات قد لا تتوقف بالسرعة نفسها.

سأل صحفي بروفيسورا متخصصا في علم النفس الإكلينيكي: متى تظهر آثار الحرب وانعكاساتها النفسية والسلوكية على الإنسان؟
كانت إجابته لافتة جدًا.

قال: إن آثار الحرب يمكن أن تظهر بعد يوم، أو شهر، أو سنة، أو حتى بعد عشرين عامًا.

وأضاف أن بعض آثار حرب فيتنام ظهرت لدى عدد من الجنود الأمريكيين والفيتناميين بعد سنوات طويلة من انتهاء الحرب.

إذًا الحرب لا تنتهي لحظة توقف الطائرات، نحن نميل إلى قياس الحرب بعدد الشهداء والجرحى والمنازل المدمرة، وهذه أرقام مهمة وضرورية، لكنها لا تحكي القصة كاملة.

هناك خسائر لا تظهر في الصور.

طفل شاهد منزل عائلته يُقصف، وأم فقدت أبناءها، وأب عاش سنوات وهو عاجز عن حماية أسرته، وشاب فقد مستقبله، وعائلة نزحت مرات عديدة، وإنسان عاش سنوات وهو لا يعرف هل سيستيقظ في اليوم التالي أو لا.

كل هذه التجارب تترك شيئًا داخل الإنسان.

ومع تراكمها، قد تتحول إلى غضب، وعصبية، وانفعال، وعدم قدرة على تحمل الآخرين، وفقدان الثقة، وشعور دائم بالخطر، وصعوبة في ضبط المشاعر.

وفي مجتمع يعيش أفراده جميعًا تقريبًا التجربة نفسها بدرجات مختلفة، تصبح المشكلة أكبر،
فالمجتمع بكامله يكون جريحًا.

وهنا تبدأ مرحلة أخرى من الحرب؛ حرب بلا طائرات ولا صواريخ.

حرب داخل البيوت، وفي الشوارع، وفي العلاقات الاجتماعية.

لهذا فإن ما نراه اليوم في غزة بين الناس والعائلات وفي الشوارع يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره سلوكًا فرديًا أو ظاهرة عابرة.

إنه، في جزء منه، إنذار مبكر لما يمكن أن تفعله الحرب بالمجتمع إذا لم تعالَج آثارها النفسية والاجتماعية بجدية.

اخبار ذات صلة