فلسطين أون لاين

"فلسطين" تُعايش معاناتهم في "نبض غزة"

فتيات وأطفال الخيام.. حربهم لم تنتهِ بعد

...
جانب من برنامج "نبض غزة"
غزة/ أدهم الشريف:

على الرغم من أن وتيرة حرب الإبادة الإسرائيلية تراجعت قليلاً منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فإن آثارها لم تنتهِ بعد؛ ولا سيما لدى سكان الخيام الذين يواجهون معاناة يومية متفاقمة.

ومع مرور نحو ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، يجد الأطفال وفتيات الخيام أنفسهم في مواجهة معاناة يومية لتوفير الغذاء والماء الصالح للشرب، حتى صارت هذه المعاناة أشبه بحرب صامتة لم تنتهِ آثارها، في وقت يصعد فيه الاحتلال الإسرائيلي من سياسات القتل والحصار والتضييق على قطاع غزة.

وعايش فريق برنامج "نبض غزة" التابع لصحيفة "فلسطين"، معاناة الأطفال والفتيات وسكان مراكز الإيواء، بعد أن عقد حلقة جديدة داخل إحدى خيام الإيواء في مخيم أرض الريس بحي الصبرة، جنوبي مدينة غزة.

وتحدث أطفال وفتيات عن تفاصيل حياتهم اليومية داخل مخيمات النزوح، مستعرضين آثار الحرب على أسرهم ومنازلهم وتعليمهم، والظروف الإنسانية القاسية التي يمروا بها مع استمرار العيش داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

طفولة معلّقة

منّة السويسي، طفلة تبلغ من العمر (10 أعوام) تعيش وعائلتها في خيمة هشّة في مخيم أرض الريس. استحضرت حياتها قبل الحرب بحسرة، بعدما اضطرت إلى مغادرة منزل عائلتها في حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة، مع اقتراب الآليات العسكرية منه.

قالت منّة لبرنامج نبض غزة: "كنت قبل الحرب معززة مكرمة في بيتي. لدي أربع شقيقات وثلاثة أشقاء، وشقيقي فادي، البالغ 23 عامًا، معتقل في سجون الاحتلال منذ بداية الحرب".

وتشير إلى أن عائلتها أجبرت مع اشتداد حرب الإبادة التي اندلعت في أكتوبر 2023، على النزوح بين مناطق عدة، بينها حي الشيخ رضوان ومناطق متفرقة في محافظات قطاع غزة، قبل أن ينتهي بها الحال في مخيم للنزوح.

وعندما تذكرت منّة حياتها التي سبقت الحرب، غالبتها الدموع وهي تحكي عن منزلها والأيام التي كانت تحلم فيها بحياة هادئة ومستقرة.

وتقول: "عندما نزحنا تركنا كل شيء، وبقيت أحلامي معلقة على أمل العودة إلى منزلنا.. كنت أحلم بحياة هادئة يملؤها الاستقرار".

وتضيف أن حياة النزوح كانت «صعبة جدًا»، في ظل غياب أدنى مقومات الحياة الإنسانية، مؤكدة أن ما تعيشه اليوم يختلف بصورة كاملة عن طفولتها التي عرفتها قبل الحرب.

خيمة لا تحميها من الشتاء

أما حلا عزام، البالغة (17 عامًا)، فقد دمر الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلتها الذي كان مكونًا من خمسة طوابق في حي الزيتون.

وقالت حلا لبرنامج نبض غزة: إن عائلتها تتطلع إلى الحصول على المساعدة في ظروف معيشيةٍ قاسية داخل الخيمة والتي لم تتغير منذ بداية الحرب، وأصبحت مهترئة وغير صالحة للإيواء.

وأضافت "القوارض تقتحم الخيام، والكلاب تجول في المنطقة، وفي الشتاء نغرق تحت الخيمة. نعيش واقعًا سيئًا جدًا ونحتاج إلى مستلزمات للإيواء".

ولا تتوقف معاناة حلا عند المأوى، إذ تواجه الأسرة صعوبة كبيرة في توفير مياه صالحة للاستخدام الآدمي، إلى جانب انتشار الحشرات وعدم وجود حلول كافية لمكافحتها.

وتقول إن «تكية الطعام» لا توفر الوجبات بصورة منتظمة، ما يزيد من أعباء الأسرة التي فقدت منزلها واستقرارها.

وتتذكر حلا حياتها قبل الحرب، حين كانت تذهب إلى المدرسة وتعود إلى منزلها لمراجعة دروسها وواجباتها، قبل أن يقطع النزوح تلك الحياة.

وبعد انقطاعها عن الدراسة لفترة، عادت حاليًا إلى التعليم في مرحلة الثانوية العامة، لكنها تواجه صعوبات في توفير القرطاسية والحصول على الدورات التدريبية التي تحتاج إليها.

وتقول حلا: إن معدلها التراكمي كان يتجاوز 91 بالمائة، لكنها تخشى ألا تتمكن في ظل الظروف الحالية من تحقيق حلمها بالتفوق.

وبالرغم من كل ذلك، لا تزال تتمسك بما تحبه؛ الرسم والقراءة والكتابة، وقد تركت الحرب في لوحاتها أثرًا واضحًا، إذ رسمت أعمالًا عن القدس والمسجد الأقصى ومشاهد أخرى من الحياة التي تعيشها.

تسعة أفراد في خيمة

ملك السويسي، البالغة 17 عامًا، من سكان حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، تعيش في مخيم أرض الريس مع ثمانية أفراد آخرين داخل خيمة مهترئة.

روت ملك لبرنامج نبض غزة، أن قصف منزل عائلتها دفعهم إلى النزوح والتنقل بين مناطق عدة، قبل أن يستقر بهم الحال في الخيام التي لا توفر حماية كافية من حرارة الشمس صيفًا أو برد الشتاء".

وتقول: "في كثير من الأحيان غرقت خيامنا بمياه الأمطار، وغرقنا معها، في ظل معاناة والدي من المرض".

كما تواجه الأسرة نقصًا في الطرود الغذائية، فيما لا توفر التكية الطعام الكافي أو المناسب للنازحين، بحسب ملك.

وتشكل الدراسة تحديًا آخر، في ظل عدم توفر الكهرباء والإنترنت والقرطاسية، ما انعكس على تحصيلها الدراسي وأدى إلى تراجع معدلها التراكمي.

وتقول: "أنا طالبة أحب العلم والدراسة وأطمح إلى إكمال تعليمي، لكن لا تتوفر لدينا أدنى الإمكانيات".

وتتطلع ملك إلى العودة إلى حياة مستقرة وآمنة، بعيدًا عن معاناة النزوح، وتقول: "أريد أن تعود حياتنا كما كانت من قبل، وأن تتوفر لنا مقومات البقاء والحياة الآدمية".

طوابير الطعام والمياه

أما ملك القطاطي، البالغة (18 عامًا)، من سكان حي الزيتون، فد دمر الاحتلال منزل عائلتها بالكامل خلال الحرب، وبدأت بعدها رحلة نزوح لا يعرف أحد متى تنتهي.

لكن آثار الحرب لم تقتصر على فقدان المنزل، إذ استشهدت شقيقتها أزهار، البالغة (23 عامًا)، بعدما تعرض المكان الذي نزحت إليه قرب مستشفى الدرة لقصف مدفعي.

تقول ملك: إن خمسة أفراد يعيشون حاليًا في خيمة هشة لا توفر لهم الحماية، ويعانون من نقص الغذاء والمياه وغياب مقومات الحياة الأساسية.

وتلخص واقعهم اليوم بعبارة مؤلمة: "حياتنا أصبحت تختصر في الوقوف في طابور التكية ونقل المياه".

وتضيف: "حياة الخيام صعبة جدًا، وقد عشنا تفاصيل المجاعة كاملة وما زلنا نعيشها".

الخوف يرافق الأمهات

وتروي ياسمين القطاطي جانبًا آخر من المعاناة، قائلة: إن عائلتها مرت خلال الحرب بظروف وصفتها بالمميتة، بعدما تعرضت للقصف واضطرت إلى النزوح مرات عدة.

وأضافت، أن الحياة داخل الخيام لم تترك للأمهات مساحة كافية للراحة النفسية، في ظل الخوف الدائم على الأبناء وتأمين الطعام والمياه.

وتستعيد ياسمين حياتها قبل الحرب، حين كانت تعيش في منزلها وتتوافر لعائلتها مقومات الحياة الأساسية، قبل أن يتحول يومها إلى رحلة بحث عن الطعام والمياه.

وتقول: "أخاف أن أخرج لجلب الطعام أو مياه الشرب، وأخشى على أبنائي".

وتزداد مخاوف العائلة بسبب قرب مكان إقامتها من الخط الأصفر، حيث تقول ياسمين: إن إطلاق النار من دبابات الاحتلال لا يتوقف.

ومع اقتراب فصل الشتاء، تزداد مخاوف العائلة من أوضاع الخيام الهشة، التي قد تغرقها الأمطار أو تقتلعها الرياح خلال المنخفضات الجوية.

وتقول ياسمين: إن الأسر النازحة بحاجة إلى المساعدات ومستلزمات الإيواء، خصوصًا قبل حلول الشتاء، لتجنب تكرار معاناة المواسم السابقة.

وبين شهادة وأخرى، تكشف الحلقة الجديدة من "نبض غزة"، أن الحرب لم تنتهِ آثارها بانتهاء القصف بالنسبة إلى آلاف النازحين؛ ففقدان المنزل، وانقطاع التعليم، ونقص الغذاء والمياه، وتهالك الخيام، والخوف المستمر، كلها تفاصيل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لأطفال وفتيات وجدوا أنفسهم أمام واقع لم يختاروه.

المصدر / فلسطين أون لاين