لم تكن حرب الإبادة الجماعية بالنسبة ليوسف شويدح، سببًا للتخلي عن عمله، ولا دافعَا للابتعاد عن موقعه بل تمسّك بمهمته في جهاز الشرطة وأصر على مواصلة عمله وأداء واجبه رغم القصف والخطر والاستهداف المتكرر للطواقم الشرطية، حتى ارتقى شهيدًا في مجزرة مدرسة التابعين في مدينة غزة.
كان يوسف (42 عامًا)، يشغل نائب مدير مركز شرطة الزيتون في جنوبي مدينة غزة، وواحدًا من أفراد ضباط الشرطة الذين واصلوا عملهم خلال الحرب، وعلى مدار سنوات خدمته تنقّل بين أكثر من قسم ومهمة، قبل أن يستقر في العمل الأمني ضمن جهاز الشرطة.
تقول دعاء شويدح زوجة الشهيد يوسف، وبدت أنها تتحدث بفخر: "زوجي رفض بشكل قاطع أن يترك مكان عمله أو يجلس في المنزل منذ بداية الحرب وأصر على مواصلة عمله رغم إدراكه للمخاطر التي تحيط بأفراد الشرطة"، مؤكدة أنه كان يرى في أداء واجبه مسؤولية لا يمكن التخلي عنها حتى في أصعب الظروف وأشدها.
وتضيف دعاء لصحيفة "فلسطين": أن زوجها بقي على رأس عمله طوال فترة الحرب، إلى أن ارتقى شهيدًا في مجزرة مدرسة التابعين، التي استهدفت النازحين داخل المدرسة، وأسفرت عن استشهاد أكثر من مئة نازح، فجر العاشر من أغسطس 2024.
وتروي زوجته أن يوسف استشهد أثناء وجوده في مصلى المدرسة بعد أن أدى صلاة الفجر، لتنتهي حياة رجل ظل متمسكًا بعمله حتى اللحظات الأخيرة.
انتظار العودة
ورغم طبيعة عمله والمخاطر التي كان يواجهها، كان يوسف وكنيته "أبو البراء"، وفق زوجته، شديد التعلق بعائلته وكان يحاول خلال اتصالاته المتكررة الاطمئنان على أبنائه.
وأضافت بحزن: "كان أبو البراء محبًا لعائلته، وكلما اتصل بي كان يوصيني على الأولاد وكان دائمًا يتمنى أن نرجع من الجنوب بعد أن نزحنا بسبب شدة القصف ودمار منزلنا".
وتصفه زوجته، بأنه كان "نعم الزوج، وأب حنون"، مشيرة إلى أنه كان شديد الانتماء لأسرته، كثير التبسم وحريصًا على أن يترك متاعب العمل خارج المنزل.
وأردفت: "عندما كان يدخل البيت كان يلقى كل شيء وراء ظهره، لم يكن يحدثنا كثيرًا عن عمله لكن ما أعرفه عنه أنه كان يخدم الجميع ولا يقصر مع أحد".
وترك يوسف وراؤه عندما استشهد، سبعة أفراد خمس بنات وولد، أكبرهم شهد البالغة من العمر (18 عامًا)، ثم تسنيم (16 عامًا)، وبراء (15 عامًا)، وملك (14 عامًا)، وآية (12 عامًا)، وليان أصغر أبنائه، وتبلغ من العمر سبع سنوات.
وتقول زوجته: إن لكل واحد من أبنائه مكانة خاصة في قلبه، لكنه كان شديد التعلق بابنته الصغيرة "ليان" التي كانت بالنسبة إليه "روح أبيها" إلى جانب ابنه "براء" كونه الذكر الوحيد.
وكان أبو البراء، والقول لزوجته بارًا بأمه وبعد وفاة أبيه ظل إلى جانبها؛ كان يمازحها ويمسك يدها ويقول لها: لا تنسيني يا أمي. وفي يوم ميلادها كان يأخذها في نزهة وينطلقا مع بعضهما وكان يتسابق مع إخوته في خدمتها.
وكان "يوسف" وفق زوجته، شديد الحرص على صلة الرحم، وكان يتواصل مع شقيقاته وأقاربه بشكل مستمر سواء بمكالمة الهاتف أو الزيارة.
أبٌ حاضر
لم يكن اهتمام شويدح بأبنائه مقتصرًا على توفير احتياجاتهم بل كان حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية، يرافقهم في المرض ويحرص على تخفيف آلامهم ومخاوفهم.
وتابعت زوجته قولها: أن "من المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرتها حرصه على مرافقة أبنائه إلى طبيب الأسنان، وكان يصورهم خلال العلاج حتى يخفف عنهم الخوف والألم كما كان يسهر إلى جانبهم عندما يمرضون ويبقى قريبًا منهم إلى أن يتحسنوا".
لكن أصعب لحظة عاشتها الأسرة كانت عندما وصلها خبر استشهاده، تقول زوجته والدموع تتلألأ في عينيها: "أتمنى ألا أتذكر يومًا كهذا. استقبلنا الخبر بالبكاء والألم والحرقة ولم نتمكن من إلقاء نظرة الوداع".
خيمة بدل المنزل
ولم تفقد دعاء زوجها فحسب، بل دمرت الحرب أيضًا منزلها، لتجد نفسها أمام واقع جديد من النزوح والخيام وشح الاحتياجات الأساسية.
وأردفت أن "منزل الأسرة دُمّر بشكل كامل وإنها تقيم حاليًا مع أبنائها في خيمة بمنطقة الصبرة بمدينة غزة، في ظل ظروف معيشية صعبة جعلت توفير أبسط الاحتياجات اليومية أمرًا شاقًا".
وتشير إلى أن العائلة تعاني من ظروف الحياة داخل الخيمة والحرارة وصعوبة الحصول على المياه فضلاً عن تبعات فقدان المعيل واستمرار النزوح.
ومع كل ذلك، تبقى صورة يوسف حاضرة في تفاصيل حياة أسرته وفي أحاديث أبنائه وفي ذكريات زوجته، وفي المواقف الصغيرة التي كان يصنع فيها حضوره الدائم في حياة أولاده رغم رحيله.
وتابعت الزوجة وهي تستعيد ذكريات الرجل الذي كان بالنسبة إليها زوجًا وأبًا وأخًا وصديقًا وحبيبًا: "بعد رحيل أبو البراء افتقدت كل شيء في الحياة".
وقالت: "أتمنى أن يسير أبنائي على نهجه وعلى دربه وأقول لهم: أنتم أبناء رجل عظيم".
رحل يوسف شويدح، تاركًا خلفه ستة أبناء وزوجة وذكريات لا تنتهي لكنه ترك أيضًا سيرة رجل تمسك بعمله في جهاز الشرطة في واحدة من أصعب مراحل الحرب، وواصل أداء مهمته رغم الخطر، إلى أن انتهت رحلته شهيدًا في مجزرة مدرسة التابعين التي ارتكبتها قوات الاحتلال فجر السبت، 10 أغسطس/ آب 2024، تاركًا لعائلته إرثًا من الحب والوفاء والمسؤولية.