لم تعد الدعوة إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة زلة لسان لمسؤول إسرائيلي متطرف، ولا فكرة هامشية تتداولها جماعات اليمين، بل تحولت إلى برنامج سياسي وانتخابي معلن، تتنافس عليه شخصيات وأحزاب داخل إسرائيل مع اقتراب الانتخابات. وكأن السؤال الذي يحكم هذا السباق لم يعد: من يوقف الحرب؟ بل: من يستطيع أن يذهب أبعد في إخراج الفلسطينيين من أرضهم.
وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحدث بصورة علنية عن الهجرة باعتبارها جزءًا من مستقبل غزة، في امتداد لمسار مؤسسي سبق أن بدأته وزارة الجيش بإنشاء إطار خاص لما تسميه إسرائيل “الهجرة الطوعية”.
وهذه التسمية لا تخفي جوهر الفكرة؛ فحين يُدمَّر البيت، وتُقتل الأسرة، ويُحاصر الإنسان، وتُمنع عنه مقومات الحياة، ثم يُقال له إن بإمكانه المغادرة، فإن الحديث عن “الطوعية” يتحول إلى غطاء لغوي لواقع صنعته القوة.
أما إيتمار بن غفير، ذهب أبعد من ذلك، وجعل التهجير جزءًا صريحًا من خطابه وبرنامجه الانتخابي، مقدّمًا نفسه لجمهور اليمين باعتباره الأكثر قدرة على تنفيذ هذا المشروع. وهكذا تصبح جريمة اقتلاع شعب من أرضه مادة انتخابية، ويصبح التنافس بين الساسة الإسرائيليين قائمًا على من يفرض واقعًا أكثر قسوة على الفلسطينيين.
الأخطر أن هذه التصريحات لا تأتي في فراغ، بل بعد حرب مدمرة حوّلت قطاع غزة إلى مساحة هائلة من الركام والمقابر الجماعية والنزوح. وما خرج اليوم من مشاهد انتشال نحو مئة شهيد من تحت أنقاض المباني، بينهم نساء وأطفال، يختصر حقيقة ما جرى: قتل وتدمير وتجويع وحصار، ثم طرح الرحيل بوصفه “خيارًا”.
هذه الوقائع تجعل الحديث عن التهجير أكثر من مجرد تهديد سياسي؛ إنها اعتراف إسرائيلي صريح بأن تدمير غزة لا ينفصل عن محاولة تغيير واقعها السكاني ودفع أهلها خارجها.
كما أن الحديث عن مناطق تجريبية، أو إعمار انتقائي داخل مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، أو مشاريع جزئية في “المنطقة الصفراء”، يثير مخاوف حقيقية من استخدام عناوين اقتصادية وإنسانية لتكريس واقع جديد يقوم على عزل الفلسطينيين وإعادة تشكيل القطاع وفق الرؤية الإسرائيلية.
وفي المقابل، لا يزال الموقف الدولي دون مستوى الخطر. صدرت إدانات، لكنها في معظمها خجولة وغير مقرونة بإجراءات حقيقية. فلا عقوبات، ولا خطوات عملية تمنع التهجير، ولا ضغط جدي لإلزام إسرائيل بما وقعت عليه من تفاهمات واتفاقيات، وفي مقدمتها الالتزامات الإنسانية وفتح المعابر وإدخال المساعدات وبدء الإعمار.
أما *ما يسمى “مجلس السلام”، الذي قُدّم أساسًا على أنه إطار لإنهاء الحرب وإعادة إعمار غزة، فهو مطالب اليوم بإعلان موقف واضح لا يحتمل التأويل*. هل دوره حماية الاتفاق وإعادة بناء غزة وتمكين أهلها من البقاء فيها، أم أن الصمت عن مشاريع التهجير سيحوّله إلى مظلة سياسية لإدارة نتائج الحرب بدل إنهائها؟
إسرائيل تدير ظهرها علنًا للاتفاقات والتفاهمات، وتعلن من داخل حكومتها أن مستقبل غزة بالنسبة لها يرتبط بتقليل عدد الفلسطينيين فيها. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الصمت الدولي شريكًا في إنتاج الخطر.
المعركة الانتخابية الإسرائيلية تكشف حقيقة قاسية: الفلسطيني نفسه أصبح موضوع المنافسة؛ من يحاصره أكثر، ومن يهدم أكثر، ومن يدفعه أكثر نحو الرحيل. وهذه ليست دعاية انتخابية عابرة، بل مشروع سياسي يجب مواجهته قبل أن تتحول تصريحاته إلى وقائع جديدة على الأرض.
أما الرسالة الفلسطينية، فيجب أن تكون أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: غزة ليست أرضًا بلا شعب، ولا ملفًا إنسانيًا قابلًا لإعادة الترتيب وفق خرائط الاحتلال، ولا مساحة يمكن أن تُدار بمشاريع ترحيل أو مناطق عازلة أو حلول اقتصادية بديلة عن الحقوق الوطنية. أهل غزة باقون في أرضهم، وحقهم في الإعمار والعودة والحياة الآمنة ليس منّة من أحد، بل هو حق أصيل لا يسقط بالحرب ولا بالحصار ولا بالتهديد. وأي مشروع للتهجير، مهما تغير اسمه أو غلافه، سيبقى مرفوضًا فلسطينيًا، لأن الصراع في جوهره ليس على مكان سكن مؤقت، بل على الأرض والهوية والوجود.

