في عيادته الصغيرة بمنطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحوّل فني الأطراف الصناعية محمد الخالدي ما يتوافر لديه من مواد محدودة إلى جبائر وأجهزة تقويمية، محاولًا منح الأطفال ذوي الإعاقة وجرحى الحرب فرصة لاستعادة الحركة، في واقع صحي وإنساني أنهكته الحرب ونقصت فيه أبسط المستلزمات الطبية.
بين أدوات العمل والمواد التي بات الحصول عليها مهمة شاقة، يتعامل الخالدي مع حالات خلقية وأخرى نتجت عن إصابات الحرب ومضاعفاتها، واضعًا أمامه هدفًا واحدًا: مساعدة الطفل على الوقوف والحركة، ولو بخطوات صغيرة.
ومن بين الحالات التي يعمل عليها، الطفلة زينب برهم خليل قديح، التي تعاني إعاقة حركية وشللًا دماغيًا منذ ولادتها، وتحتاج إلى جهاز تقويمي يساعدها على استخدام قدميها ومحاولة المشي مثل بقية الأطفال.
تقول والدتها، النازحة هبة قديح لصحيفة "فلسطين"، إن الحرب اندلعت حينما كانت زينب في شهرها الحادي عشر، لتجد الأسرة نفسها أمام معركة جديدة عنوانها النزوح والبحث عن العلاج.
كانت زينب تتلقى العلاج في مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة، لكن تكرار النزوح وصعوبة التنقل حالا دون مواصلة علاجها، في حين كانت تعاني أيضًا أزمات الربو ومشكلات صحية أخرى.
وتوضح والدتها أنها أجرت قبل الحرب عملية، ثم تمكنت خلال الحرب من إجراء عملية أخرى لها في مجمع ناصر الطبي، قبل أن تترك الأسرة لمواجهة واقع النزوح وفقدان المنزل.
وتضيف هبة أن الأسرة نزحت من المنطقة الشرقية في عبسان الكبيرة منذ الأيام الأولى للحرب، وانتهى بها الحال في خيمة بخان يونس، بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي منزلها وتعذر عليها العودة إلى منطقتها.
وسط هذه الظروف، لم تتخل الأم عن محاولة توفير جهاز يساعد طفلتها على الوقوف والمشي، حتى تمكنت أخيرًا من الوصول إلى الخالدي وتجهيز الجهاز لها.
وتقول إن حلمها بسيط: أن تتمكن ابنتها من المشي “مثل أطفال العالم”، معربة عن أملها في أن يساعدها الجهاز على تحسين حركتها واستعادة جزء من حياتها الطبيعية.
لكن طريق العلاج لا يزال مليئًا بالعقبات، بحسب الخالدي، الذي يؤكد أن تجهيز الأجهزة التقويمية للأطفال أصبح أكثر صعوبة بسبب النقص الحاد في المواد الخام والمعدات.
ويشير إلى أن بعض الحالات تحتاج إلى أجهزة خاصة ومتابعة مستمرة، إذ تتغير احتياجات الطفل مع نموه وتطور حالته، ما يعني أن كل مرحلة قد تتطلب جهازًا جديدًا ومواد مختلفة.
ويقول إن المواد المستخدمة في تصنيع الأجهزة، إلى جانب الدعامات ووسائل التثبيت والتبطين التي تساعد الطفل على تقبل الجهاز وارتدائه، أصبحت نادرة داخل القطاع، وحتى عندما تتوافر تكون أسعارها مرتفعة، وقد تتجاوز تكلفة بعض المواد 200 أو 300 دولار.
ولا تقتصر المشكلة على الأطفال ذوي الإعاقات الحركية، إذ يؤكد الخالدي وجود أعداد كبيرة من حالات البتر التي تحتاج إلى أطراف صناعية وتأهيل ورعاية متخصصة، في وقت لا تتوافر فيه المواد اللازمة ولا مراكز التأهيل بالقدر الكافي.
ويقول إن قطاع غزة لا يحتاج فقط إلى توفير مراكز للأطراف الصناعية، بل إلى منظومة متكاملة من الرعاية والتأهيل والمتابعة للحالات، خصوصًا الأطفال الذين تتطلب أوضاعهم علاجًا مستمرًا خلال مراحل نموهم.
وبينما تستمر الحرب في ترك آثارها على أجساد الأطفال، يحاول الخالدي في عيادته الصغيرة أن يصنع فارقًا بأدوات محدودة؛ جبيرة هنا، وجهاز تقويمي هناك، وأمل بأن تستعيد قدم صغيرة قدرتها على الحركة.
أما هبة، فلا تنظر إلى الجهاز الذي حصلت عليه ابنتها باعتباره قطعة طبية فحسب، بل تراه خطوة نحو حلم طال انتظاره؛ أن تقف زينب على قدميها، وأن تحصل، رغم الحرب والنزوح، على فرصة للعيش والحركة مثل أقرانها.

