فلسطين أون لاين

منذ عام.. لا تعرف إن كان شقيقها حيًا أو أسيرًا

نادته أريج من تحت الركام.. فعاد إليها الصمت

...
منذ عام.. لا تعرف إن كان شقيقها حيًا أو أسيرًا نادته أريج من تحت الركام.. فعاد إليها الصمت
غزة/ مريم الشوبكي:

خرجت أريج من تحت الركام والنار، في حين بقي شقيقها عمر نتيل، ابن التاسعة عشرة، مفقودًا منذ ذلك الصباح؛ فلا تعرف حتى اليوم إن كان قد نجا وأصبح أسيرًا، أو أن الأنقاض أخفت مصيره.

ومنذ 27 يوليو/تموز 2025، تعيش العائلة على معلومة غير مؤكدة تقول إنه موجود في سجن النقب، ولا تريد أن تصدق أن ابنها رحل.

في ذلك الصباح، وخلال ما زعم الاحتلال أنها "هدنة إنسانية"، عادت أريج برفقة عمر إلى منزل العائلة في منطقة تل الزعتر شرق جباليا، بعدما أنهكهما النزوح والجوع. صعد عمر إلى الطابق الثالث، في حين بقيت أريج في الطابق الثاني.

لم تمضِ سوى دقائق حتى دوى انفجار عنيف، وتحول المنزل إلى ركام، واشتعلت النيران في المكان.

تقول أريج لصحيفة "فلسطين": "وضعت هاتفي على الأرض، وبعد نحو خمس دقائق أُلقي علينا شيء، وفجأة أصبحت الدنيا سوداء، وهبّت النار والدخان، وطرت من شدة الانفجار. دخل البارود إلى فمي، فأغلقت فمي وعينيّ".

وجدت نفسها تحت الأنقاض، محاصرة بالحديد، وفوق رأسها خشبة، وأمامها نار تتمدد كل لحظة. لم تعرف أين عمر، ولا ما الذي حدث له، ولم يكن أمامها سوى محاولة النجاة.

تروي: "وجدت نفسي تحت الركام، وتحت جسدي الحديد، فبدأت أرفع نفسي قليلًا قليلًا. كانت فوق رأسي خشبة، وأمامي النار، وكل لحظة كانت تكبر. خفت أن أموت حرقًا، فبدأت أصرخ على عمر وعلى الجيران، لكن أحدًا لم يجبني".

كانت تنادي شقيقها، لكن الصمت وحده كان يعود إليها.

ثم سمعت صوت دبابة يقترب. وفي لحظة اختلط فيها الخوف بالبقاء، تظاهرت أريج بالموت حتى ابتعدت، ثم خرجت من تحت الركام وبدأت رحلة هروبها.

تقول: "عندما سمعت صوت الدبابة تظاهرت بأنني ميتة. وبعد أن ابتعدت، خرجت وجريت إلى شارع السكة، وظللت أزحف وأهرب من تل الزعتر، بينما كانت القذائف تُرمى من فوقي، حتى وصلت إلى الشيخ زايد".

مصير مجهول

هناك ساعدها شبان على الابتعاد عن المنطقة، لكنها لم تستطع العودة إلى المنزل لمعرفة مصير عمر.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح عمر مفقودًا.

تؤكد أريج أنها لم تسمع صوته بعد الانفجار، ولم تره يخرج من المنزل، ولم تصل العائلة إلى معلومة تحسم مصيره.

وتقول: "لم أسمع صوته، وناديته كثيرًا لكنه لم يرد. قلت ربما بسبب صوت الضربة والقذيفة التي سقطت علينا، فلم أكن أعرف إن كانت صاروخًا أم قذيفة. كل شيء حدث في لحظة، ولم أعرف ماذا جرى".

بدأت الأسرة البحث عن عمر لدى الجهات المعنية، وراجعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حيث أُبلغت، وفق روايتها، بأن طلبًا يتعلق به قُدم في 5 سبتمبر/أيلول 2025، وأن بياناته ورقم هاتفه موجودة، لكن لا توجد معلومات جديدة عن مكانه.

وتقول أريج: "قالوا لنا إنكم تقدمتم بطلب في 5 سبتمبر، وإن بيانات أخي ورقم هاتفه موجودة، لكن لا يوجد أي شيء جديد، وإنهم بحثوا ولم يجدوا له أثرًا. أخذوا رقمي وبياناتي، وقالوا إن ظهرت أي معلومة جديدة سيتواصلون معي".

"عمر حي.."

وسط هذا الغياب، ظهر خيط آخر تمسكت به العائلة، رغم عدم قدرتها على التحقق منه. فقد تحدثت مع محامٍ من الضفة الغربية، قال، بحسب ما نقلته الأسرة، إن عمر حي وموجود في سجن النقب.

لم تتمكن الأسرة من سماع صوت عمر أو رؤيته، ولم تحصل على ما يؤكد هذه المعلومة بصورة مباشرة، لكن أريج تقول إن العائلة تريد نشر قصته لعل أحدًا يكون قد رآه داخل السجون ويستطيع تقديم معلومة عنه.

وتقول: "المحامي قال لنا إنه حي وموجود في النقب. حاولنا أن نعرف أكثر، لكن لم نحصل على شيء مؤكد. نريد أن ننشر قصته على أوسع نطاق، لعل أحدًا رآه في الداخل ويستطيع أن يخبرنا عنه".

ولم يكن عمر وحده من غاب عن العائلة. فقبل فقدانه بنحو شهر، استشهد شقيقه محمود، ثم فقدت الأسرة أفرادًا آخرين بعد ذلك، لتتوالى عليها الخسارات، بالتزامن مع النزوح والتشرد.

اليوم، لا تنتظر عائلة عمر سوى خبر واحد، أيًا كان مصدره، يضع حدًا لهذا الغياب. وتقول أريج إن والدتها تتمنى أن يكون ابنها حيًا، حتى لو كان في السجن، لأن وجوده هناك يعني أن هناك أملًا في عودته.

أما العائلة، التي أنهكها الفقد والنزوح، فتعيش في الشارع قرب بحر جباليا، بينما يبقى عمر حاضرًا في كل سؤال وفي كل محاولة بحث.

منذ ذلك الصباح، لم تعد أريج تتذكر خروجها من تحت الركام باعتباره لحظة نجاة فقط؛ فهي خرجت، بينما بقي شقيقها في المكان نفسه، أو في مكان آخر لا تعرفه.

ومنذ 27 يوليو/تموز 2025، ظل سؤال واحد يلاحقها: حين نادت أريج عمر من تحت الركام ولم يجبها، هل كان قد نُقل حيًا إلى الأسر، أم أن صمته كان آخر ما بقي منه؟

المصدر / فلسطين أون لاين