ليست كل العمليات الأمنية سواء، فبعضها ينتهي عند حدود الهدف الذي جرى اقتحامه، وبعضها يتجاوز الهدف ليصبح رسالة سياسية وأمنية ونفسية في آن واحد.
وما جرى في منزل معين العرابيد يبدو من النوع الثاني، عملية ذات طبيعة استخبارية مركبة لم يكن المقصود منها مجرد توقيف رجل أمني، وإنما اختبار منظومة كاملة من الأمن والحماية والقدرة على المناورة، ثم تحويل النتيجة إلى مادة للاستهلاك السياسي والإعلامي. ومن الناحية الأمنية البحتة، تكشف العملية أن الاحتلال تعامل مع العرابيد بوصفه هدفًا استخباريًا عالي القيمة، وليس مجرد شخصية ميدانية، مع توظيف عمل استخباري سابق لتحديد موقعه، ثم تنفيذ عملية خاصة داخل منطقة مأهولة، وتوفير غطاء عسكري للقوة المنفذة.
وهنا تكمن النقطة الأولى في قراءة العملية، فالاحتلال لم يستخدم القوة النارية وحدها، بل جمعت العملية بين الاستخبار المسبق والقوة الخاصة والغطاء العسكري والسيطرة على مسرح العملية، وهي تركيبة تنتمي إلى عقيدة أمنية تقوم على تحويل التفوق الاستخباري إلى قدرة تنفيذية سريعة، بحيث تصبح المعلومة نفسها سلاحًا يسبق السلاح. لكن العملية، في وجهها الآخر، كشفت شيئًا مختلفًا تمامًا، فالمكان الذي اختير لتنفيذها لم يكن ثكنة عسكرية ولا موقعًا قتاليًا ظاهرًا، وإنما كان منزلًا كانت العائلة تستعد فيه لمناسبة إنسانية، عقد قران الابن عبيدة، وفجأة تحولت لحظة الفرح إلى اشتباك، وتحول البيت من مساحة عائلية إلى مسرح مواجهة.
وهنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز الأمن إلى الإنسان. كان معين العرابيد يؤدي عملًا أمنيًا مرتبطًا بحفظ الأمن الداخلي، في حين كانت أسرته تستعد لفرح عائلي، ثم وجدت الأسرة نفسها أمام قوة خاصة تقتحم المكان.
وتقول الروايات الفلسطينية إن العرابيد واجه القوة واشتبك معها قبل إصابته، في حين استشهدت زوجته وأصيب عدد من أبنائه. وفي هذه اللحظة الإنسانية يصبح الأمن أكثر من معادلات استخبارية، يصبح سؤالًا عن معنى البيت حين يتحول إلى ساحة صراع، وعن معنى الأسرة حين تجد نفسها فجأة في قلب عملية تستهدف أحد أفرادها.
فالزوجة التي كانت تستعد لزفاف ابنها وجدت نفسها في مواجهة قوة مسلحة، والأبناء الذين كان يفترض أن يعيشوا لحظة فرح وجدوا أنفسهم أمام مشهد من الدم والإصابة والاختطاف.
أما من الزاوية الاستخبارية، فإن اختيار الاعتقال بدلًا من الاغتيال يحمل دلالة مهمة، فالهدف الحي بالنسبة لأجهزة الأمن ليس مجرد شخص جرى إخراجه من الميدان، وإنما مصدر محتمل للمعلومات.
ولهذا فإن نجاح العملية من المنظور الإسرائيلي لا يقاس فقط بالوصول إلى الهدف، بل بما يمكن أن تنتجه العملية لاحقًا من قيمة استخبارية. لكن العمليات الخاصة لا تقاس بالوصول إلى الهدف وحده، وإنما كذلك بحجم المخاطر السياسية والأمنية والإنسانية التي تتركها خلفها، فكل عملية داخل بيئة مأهولة تحمل احتمالات تصعيدية، وكل ضحية تتحول إلى عنصر في معركة الرواية.
ومن هنا يمكن فهم العملية باعتبارها جزءًا من حرب أوسع على المؤسسة الأمنية في غزة، فاستهداف القيادات والكوادر الأمنية لا يعني فقط إضعاف أفراد محددين، وإنما يمكن أن يستهدف قدرة المنظومة على فرض الأمن ومنع الفوضى وإدارة المجتمع، وفي المقابل فإن المحافظة على تماسك المؤسسات الأمنية تصبح جزءًا من معركة الصمود نفسها.
ومن هذه الزاوية، فإن الهدف الأمني المباشر كان شخصًا، لكن الرسالة المحتملة أوسع: إثبات القدرة على اختراق العمق وإرباك البيئة الأمنية، وتوجيه رسالة إلى بقية المنظومة بأن التفوق الاستخباري الإسرائيلي ما زال قادرًا على الوصول إلى أهداف نوعية حتى داخل بيئات شديدة التعقيد.
ومن المنظور العملياتي البحت، فإن اكتشاف القوة الخاصة والتصدي لها وإفشال عنصر المفاجأة وإيقاع خسائر في صفوفها يمثل انتكاسة تكتيكية للجانب الإسرائيلي، مهما انتهت العملية باعتقال الهدف. فالقوات الخاصة تبني جزءًا أساسيًا من فعاليتها على السرية والمفاجأة والسيطرة على زمام المبادرة، وحين تُكتشف القوة قبل إتمام مهمتها وتدخل في اشتباك مباشر وتسقط منها عناصر، فإن أحد أهم مقومات العملية يتعرض للانهيار. ولذلك، فإن اعتقال الهدف لا يلغي حقيقة أن القوة المنفذة دفعت كلفة أمنية وعملياتية، وأن الطرف المقابل نجح في تحويل عملية صيد استخباري إلى مواجهة مكلفة.
غير أن الأمن لا يعيش في الفراغ، فالاحتلال يستطيع اقتحام منزل واعتقال رجل، لكنه لا يستطيع بالقوة وحدها أن يحدد كيف ستتذكر عائلة فلسطينية ذلك اليوم، وهنا تبدأ معركة أخرى، معركة الذاكرة والرواية.
في الرواية الإسرائيلية قد تقدم العملية باعتبارها إنجازًا استخباريًا نوعيًا، وفي الرواية الفلسطينية تظهر صورة أخرى: رجل أمني واجه قوة خاصة ببسالة وشجاعة، وزوجة وقفت إلى جانبه، وأبناء وجدوا أنفسهم أمام مأساة لم يختاروها. ولعل المفارقة الأشد أن البيت كان يستعد لصناعة ذكرى فرح، فإذا بالاقتحام يصنع ذكرى أخرى؛ كان ينتظر زفافًا، فإذا به يستقبل الشهادة والإصابة والاختطاف، وفي هذه المفارقة تختصر غزة كلها، حياة تحاول أن تستمر تحت حرب لا تريد لها أن تستمر.
إن صمود العرابيد وأسرته لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مشهدًا عاطفيًا فقط، بل باعتباره تعبيرًا عن إرادة اجتماعية في مواجهة سياسة الإخضاع الأمني. فالعملية، مهما كان تقييمها عسكريًا وأمنيًا، لا تنتهي لحظة خروج القوة من غزة، فالاعتقال انتهى ميدانيًا، لكن معناه السياسي والنفسي بدأ.
إسرائيل تريد أن تثبت أنها تستطيع الوصول إلى الرجل داخل بيته، بينما تقول عائلة العرابيد بصمودها وتماسكها إن اقتحام البيت لا يعني اقتحام الوعي. وقد تنجح القوة الخاصة في اختراق الجدار، وقد تنجح الاستخبارات في تحديد الهدف، وقد تنجح العملية في إخراج رجل من ميدانه، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة الاحتلال على كسر إرادة مجتمع كامل، وفي هذا الاختبار تحديدًا لا تكفي القوة، لأن السيطرة على المكان قد تتحقق بالقوة، أما السيطرة على الوعي فتحتاج إلى شيء آخر لا تمتلكه القوة وحدها، وهو أن يقبل المجتمع بالرواية التي يراد فرضها عليه.
فإذا كان الاحتلال قد استطاع اقتحام البيت، فإن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل استطاع اقتحام الوعي؟ والجواب لن تحدده البيانات العسكرية ولا صور القوة الخاصة، وإنما ستحدده الذاكرة الفلسطينية نفسها.

