فلسطين أون لاين

(ناتان) في غزة.. المساعدات التي تغسل وجه الاحتلال

ليست المشكلة في أن يحصل طفل فلسطيني في غزة على الطعام أو الدواء أو التعليم؛ فهذه حقوق أصيلة وليست منّة من أحد. المشكلة تبدأ حين تدخل جمعية إسرائيلية إلى القطاع لتقدم نفسها باعتبارها صاحبة اليد التي تطعم وتعالج وتعلّم، في حين يتحمل الاحتلال الإسرائيلي نفسه المسؤولية عن الدمار والقتل والتهجير والواقع الإنساني الذي جعل سكان غزة بحاجة إلى هذه المساعدات.

من هنا يجب النظر إلى نشاط منظمة «ناتان» الإسرائيلية، وحديثها عن عيادات وخدمات صحية وغذائية وتعليمية للأطفال في غزة، باعتباره قضية تتجاوز ظاهر العمل الإنساني إلى أبعاده الخطيرة.

المفارقة صارخة: الاحتلال يدمر، ثم تأتي مؤسسة إسرائيلية للمساهمة في معالجة آثار الدمار؛ تُضرب المنظومة الصحية والتعليمية، ثم تظهر جهة إسرائيلية لتقدم الدواء والطعام والتعليم. وبعد ذلك يمكن تسويق الصورة المطلوبة أمام العالم: «إسرائيليون يساعدون أطفال غزة»، في حين تتراجع من المشهد مسؤولية الاحتلال عن الظروف التي يعيش فيها هؤلاء الأطفال.

وهنا تكمن خطورة تحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة لتبييض وجه الاحتلال وإعادة تقديم إسرائيل باعتبارها جزءًا من الحل، بدل إبقائها موضع المساءلة عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق الفلسطينيين.

والأكثر حساسية هو الاقتراب من المجال التعليمي. 
فالتعليم ليس صفًا أو حقيبة مدرسية فقط؛ إنه وعي وهوية ورواية وذاكرة. وعندما تصبح جهة إسرائيلية طرفًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في برامج تستهدف أطفال غزة، يصبح من المشروع السؤال عن طبيعة المحتوى ومن يضع معاييره، خصوصًا مع الخطاب الإسرائيلي المتكرر عن تغيير التعليم الفلسطيني ومواجهة ما يسميه «التحريض».

هل تصبح رواية الطفل عن منزله المدمر تحريضًا؟ وهل الحديث عن الاحتلال والاستيطان واللاجئين والأسرى وحقوق الفلسطينيين «كراهية» ينبغي إزالتها؟ المسألة هنا تتجاوز المساعدة الإنسانية إلى معركة على الوعي والرواية الفلسطينية.

غزة تحتاج إلى إغاثة واسعة وإعادة بناء مستشفياتها ومدارسها ومؤسساتها، لكن مسؤولية المجتمع الدولي ليست فتح المجال أمام مؤسسات إسرائيلية لتجميل صورة الاحتلال، وإنما إلزام إسرائيل بتحمل مسؤوليتها عن جرائمها وانتهاكاتها، وضمان وصول المساعدات عبر المؤسسات الفلسطينية والهيئات الإنسانية الدولية المستقلة.

وهنا تقع مسؤولية خاصة على الأمم المتحدة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، والصليب الأحمر، والمنظمات الدولية العاملة في غزة؛ فهي مطالبة بعدم السماح بتحويل العمل الإنساني إلى بوابة سياسية أو دعائية، وبحماية استقلال المؤسسات الفلسطينية وحق المجتمع في إدارة شؤونه الإنسانية والتعليمية.

المطلوب ليس استبدال المسؤولية الإسرائيلية بصورة جمعية تقدم عيادة أو وجبة، بل محاسبة الاحتلال على ما ارتكبه، والضغط عليه لاحترام حقوق الفلسطينيين وإعادة إعمار ما دمره.

فأطفال غزة ليسوا مادة للعلاقات العامة، والجوع ليس فرصة لتبييض صورة الاحتلال، ومن يريد مساعدة غزة حقًا، فليساعدها على استعادة حقوقها وحياتها وكرامتها.

المصدر / فلسطين أون لاين