تُروى حكاية شهيرة عن الصينيين القدماء أنهم عندما أرادوا أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم، وظنوا أن علوّه وضخامته سيمنعان أعداءهم من الوصول إليهم.
لكن الحكاية تقول إن الغزاة لم يكونوا بحاجة إلى تسلق السور؛ كانوا يدفعون للحارس رشوة، ثم يدخلون من الباب!
قد لا تكون هذه الرواية دقيقة من الناحية التاريخية بكل تفاصيلها، لكنها تحمل معنى بالغ الدلالة:
يمكن أن تبني سورًا عظيمًا، ثم تخسر لأنك لم تبنِ الإنسان الذي يحرس السور.
وهذه ليست حكاية عن الصين وحدها.
فالأمم لا تسقط دائمًا لأن أعداءها أقوى منها، ولا تنهار بالضرورة لأن جدرانها ضعيفة؛ أحيانًا تبدأ رحلة السقوط عندما تصبح الحصون أقوى من الإنسان الذي يقف خلفها.
يمكنك أن تبني مدرسة حديثة، لكن ماذا لو فقد المعلم مكانته؟
ويمكنك أن تضع أفضل المناهج، لكن ماذا لو تحول التعليم إلى مجرد شهادة؟
ويمكنك أن تبني مؤسسات ضخمة، لكن ماذا لو غابت عنها الأمانة والمسؤولية؟
ويمكنك أن تضع القوانين واللوائح، لكن ماذا لو أصبح الالتفاف عليها أسهل من احترامها؟
هنا تصبح المشكلة ليست في السور، وإنما في الحارس.
🍀 الإنسان هو خط الدفاع الأول
حين نتحدث عن بناء المجتمعات، كثيرًا ما ينصرف اهتمامنا إلى الأشياء التي يمكن رؤيتها وقياسها: الأبنية، الطرق، المدارس، الجامعات، المؤسسات، القوانين، الأجهزة، والموازنات.
لكن هناك شيئًا أكثر أهمية من كل ذلك، وأقل ظهورًا في الحسابات:
الإنسان.
فالأسرة ليست جدرانًا وأثاثًا؛ الأسرة علاقة وقيم وتربية.
والمدرسة ليست صفوفًا وسبورات؛ المدرسة إنسان يصنع إنسانًا.
والجامعة ليست مباني ومختبرات؛ إنها عقل وضمير ومسؤولية.
والمؤسسة ليست نظامًا إداريًا فقط؛ إنها مجموعة من البشر، وإذا فسد الإنسان الذي يديرها فلن تنقذها أفضل اللوائح.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تهدم مبانيه فقط، بل أن تتآكل داخله المعاني التي تجعل تلك المباني جديرة بالبقاء.
🍀 كيف تُهدم المجتمعات؟
ليس من الضروري أن يبدأ هدم المجتمع بقنبلة أو دبابة.
أحيانًا يبدأ بصورة أكثر هدوءًا:
👈 حين تفقد الأسرة دورها التربوي.
👈 حين يصبح التعليم وظيفة بلا رسالة.
👈 حين يفقد المعلم احترامه.
👈 حين تتحول المعرفة إلى وسيلة للوجاهة لا لبناء العقل.
👈 حين تصبح القدوة موضع سخرية.
👈 حين يفقد الناس ثقتهم بكل مرجعية، ويصبح الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيرًا، لا الأكثر علمًا أو حكمة.
عندها يبدأ الخلل من الداخل.
ولذلك فإن حماية المجتمع لا تكون فقط بحماية حدوده، وإنما أيضًا بحماية منظومة القيم التي تحرسه من الداخل.
🍀 الأسرة.. الحصن الأول
قبل أن يكون للطفل معلم، يكون له بيت.
وقبل أن يتعلم القوانين في الكتب، يتعلمها من سلوك والديه.
وقبل أن يعرف معنى المسؤولية، يراها في البيت.
ولهذا فإن التقليل من شأن الأسرة، أو التعامل معها باعتبارها مؤسسة ثانوية، خطأ بالغ الخطورة.
والأم تحديدًا ليست مجرد من تقوم بأعمال المنزل.
الأم الواعية قد تكون أول مدرسة، وأول مصدر للأمان، وأول من يزرع في الطفل معنى الصدق والانتماء والمسؤولية والرحمة.
كما أن الأب ليس مجرد مصدر للدخل؛ كلا الوالدين شريكان في صناعة الإنسان.
فإذا أردنا مجتمعًا قويًا، فعلينا أن نسأل أولًا: كيف حال الأسرة؟
🍀 والمعلم.. حارس العقل
ثم يأتي المعلم.
المعلم لا ينقل المعلومات فقط؛ إنه يساهم في تشكيل طريقة تفكير أجيال كاملة.
لكن ماذا يحدث عندما يفقد المعلم مكانته؟
عندما يشعر الطالب أن احترام المعلم أمر قديم؟
عندما يتحول المعلم إلى موظف يؤدي ساعات الدوام وينتظر نهاية الشهر؟
عندما يصبح التعليم مجرد حفظ للمنهج واجتياز للامتحان؟
عندها لا نخسر معلمًا فقط، بل نخسر جزءًا من قدرتنا على بناء الجيل القادم.
إهانة المعلم ليست إهانة لشخص؛ إنها إهانة لفكرة التعليم نفسها.
🍀 والقدوة.. البوصلة
أما القدوة، فهي شيء آخر.
الناس، وخاصة الشباب، لا يتعلمون من الكلام وحده؛ إنهم يتعلمون من النماذج التي يرونها أمامهم.
وحين لا يجد الشاب إنسانًا يثق بعلمه وأخلاقه ومسؤوليته، فإنه لن يتوقف عن البحث عن قدوة؛ بل سيبحث عنها في مكان آخر.
وقد يجدها في شخص لا يستحق أن يكون قدوة.
لذلك فإن إسقاط كل العلماء والمربين وأصحاب الخبرة من أعين الناس، لمجرد أخطائهم أو اختلافنا معهم، ليس طريقًا لبناء الوعي.
نعم، لا أحد فوق النقد، والعالم يُراجع، والمعلم يُحاسب، والقدوة قد تخطئ.
لكنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين النقد الذي يصحح والهدم الذي يلغي الثقة بكل شيء.
فالمجتمع الذي لا يثق بأحد، ولا يحترم علمًا، ولا يقبل مرجعية، ولا يرى نموذجًا صالحًا للاقتداء، يصبح أكثر عرضة للفوضى الفكرية والأخلاقية.
✋ ماذا نحتاج اليوم؟
نحن، في غزة وفلسطين، نعرف جيدًا معنى أن تهدم الحرب الحجر.
نعرف معنى أن تتحول البيوت إلى ركام، والمدارس إلى ذكريات، والمرافق إلى أنقاض.
لكن التحدي الأكبر ليس فقط: كيف نعيد بناء ما هُدم؟
بل:
من سيعيد بناء الإنسان الذي يسكن ما سنبنيه؟
قد نستطيع إعادة بناء البيت خلال سنوات.
وقد نستطيع إعادة بناء المدرسة.
وقد نستطيع إصلاح الطرق والمؤسسات.
لكن إعادة بناء الثقة، والقيم، والانتماء، والمسؤولية، والقدرة على التفكير، واحترام العلم، وحماية الأسرة... تحتاج إلى مشروع أطول وأعمق.
ولهذا يجب ألا يكون مشروعنا القادم مجرد إعادة إعمار الحجر، بل إعادة إعمار الإنسان.
فالحجر لا يحرس المجتمع.
والقانون وحده لا يحرسه.
والمؤسسة وحدها لا تحرسه.
الإنسان هو الحارس.
وإذا أردنا أن نبني وطنًا قادرًا على الصمود، فعلينا أن نبني أولًا الإنسان القادر على حماية هذا الوطن.
فلا يكفي أن نبني السور..
علينا أن نبني الحارس.

