فلسطين أون لاين

ظريف الطول..

"وامعتصماه".. صرخة حرائر فلسطين

...

لم تكن "وامعتصماه" مجرد كلمة خرجت من فم امرأة مسلمة في لحظة خوف، بل نداءً عبر المسافات والزمن، من عمورية إلى بغداد، ليصل إلى خليفة رأى في استغاثة امرأة واحدة قضية أمة،  أما اليوم، وبعد قرون، يتردد صداها من خلف قضبان الاحتلال، حيث تبحث أسيرات فلسطين عمن يسمع صرخاتهن.

كانت شراة الهاشمية واحدة من أكثر من ألف امرأة وقعن في أسر الروم، وفي عمورية، تعرضت للإهانة، فلم تملك سوى صوتها، فرفعته مستغيثة: "وامعتصماه".

لم تكن تعرف إلى أين سيمضي نداؤها، ولا إن كان سيتجاوز أسوار المدينة، لكنها كانت تعرف اسم من تستنجد به، وحين وصل خبرها إلى بغداد، لم ينظر المعتصم بالله، الخليفة العباسي، إلى المسافة التي تفصله عن امرأة أسيرة في مدينة بعيدة؛ بل سمع في صوتها كرامة أمة كاملة، فكانت إجابته التي حفظها التاريخ: "لبيكِ يا أختاه".

لم تكن "لبيك" عند المعتصم كلمة غضب تنتهي بانتهاء مجلسه، بل خرجت من القصر إلى الميدان، وتحولت إلى جيش عظيم بلغ عدده نحو تسعين ألف مقاتل، اتجه به إلى مدائن الروم، حتى بلغ عمورية، إحدى أعظم مدائنهم وأشدها حصانة.

كان الوصول إلى عمورية بداية الامتحان الحقيقي للاستجابة، إذ فرض المعتصم الحصار عليها، ومضى جيشه يضيق عليها الخناق، حتى انهار الحصن، وسقطت المدينة التي ظن أهلها أن أسوارها ستحميها.

وهكذا لم تسقط عمورية وحدها؛ سقط معها الوهم بأن استغاثة المظلوم يمكن أن تضيع إذا كان خلفها أمة في رجل، بقيت شراة في قلب الحكاية، لا لأنها كانت تملك قوة تغير بها مصيرها، بل لأن صوتها وجد من يحمله حتى النهاية.

ومن أسوار عمورية الحصينة إلى قضبان سجون وظلام عالية في فلسطين المحتلة، تتغير الجغرافيا، لكن المشهد يعيد نفسه.

تقف أسيرات فلسطين في الموضع ذاته من الألم والظلم، وإن تبدلت السنون والبلدان، نساء مسلمات خلف قضبان الاحتلال سلبت منهن الحرية، وأمهات ينتظرن أبناءهن، وأخوات يعشن على أمل الحرية.

وجع لا تحمله امرأة واحدة، بل تتقاسمه حرائر فلسطين، في حين يبقى محاصرًا خلف أبواب السجون.

وتزداد قسوة المشهد حين يظهر الوزير الصهيوني المتطرف بن غفير بخطابه العنصري وممارساته تجاه الأسرى والأسيرات، في حين تتوالى التقارير والشهادات عن واقعهن الصعب، في عالم يرى ويسمع ويتابع، لكنه كثيرًا ما يكتفي بالصمت، وأحيانًا بالاستنكار والإدانة.

في زمن شراة الهاشمية، كان وصول الخبر إلى الخليفة يعني أن وراءه قائدا قادرا على تحويل الاستغاثة إلى طوق نجاة، أما اليوم، فلا أحد يستطيع القول إنه لا يعرف ما يجري خلف القضبان؛ يعرف العالم الأسيرات، ويرى معاناتهن، ويسمع شهاداتهن، ومع ذلك يبقى القيد قائمًا.

والأشد وجعًا أن المعاناة لا تتوقف عند الأسر؛ بل يُحرمن من العلاج، وتُمنع عنهن الملابس والاحتياجات الأساسية، وتتكرر اقتحامات غرفهن وأقسامهن، ليصبح السجن مساحة للعقاب والإذلال، لا مجرد مكان لسلب الحرية.

هنا تلتقي شراة بحرائر فلسطين من جديد، لم تكن قصتها يومًا عن امرأة أنقذها جيش فحسب، بل عن معنى أن تكون كرامة امرأة مسؤولية من يسمعها، هي نادت، فكان هناك من حمل مسؤولية ندائها حتى أسوار عمورية.

أما اليوم، فتصل أصوات الأسيرات إلى العالم بلا مسافة ولا أسوار تمنعها، ومع ذلك ما زالت تبحث عن فعل يوازي حجم الألم.

"وامعتصماه" يصبح سؤالا ثقيلا تتركه امرأة عمورية في وجه حاضر فلسطين: ماذا يفعل العالم حين يعرف، ويرى، ويسمع، ثم لا يفعل شيئا؟

المصدر / فلسطين أون لاين