فلسطين أون لاين

نساء غزة في مواجهة البطالة والإعالة.. دعوات لتمكين مشاريعهن ودعم استدامتها

...
صورة أرشيفية
غزة/ رامي رمانة:

أنهت الشابة نسمة عاشور مرحلة الثانوية العامة، والتحقت بالجامعة لمواصلة دراستها، لكنها أرادت في الوقت نفسه الاعتماد على نفسها والمساهمة في توفير نفقاتها الدراسية.

ومن داخل مطبخ منزلها، بدأت بإعداد منتجات غذائية متنوعة، من المعجنات والحلويات، وعرضها عبر صفحة على الإنترنت.

تقول نسمة لصحيفة "فلسطين" إن منتجاتها لاقت إقبالًا من الزبائن، وإن مشروعها الصغير جاء رغبةً منها في تحقيق دخل مالي يساعدها على تغطية جزء من احتياجاتها ومصاريفها الجامعية، إلى جانب العمل في مجال تحبه وتسعى إلى تطويره.

وتوضح أن مشروعها، الذي تعمل عليه منذ نحو عامين، بدأ بإعداد وبيع المعجنات لأهالي وجيران منطقتها، قبل أن تضطر إلى التوقف نتيجة تشديد الحصار ومنع إدخال العديد من المواد الأساسية، بينها المحروقات والزيوت والسكر.

ومع عودة توفر بعض هذه المواد، بدأت نسمة استئناف مشروعها تدريجيًا، محاولةً إعادة تنشيطه رغم الظروف الصعبة.

وتشير إلى أن استمرار المشروع يواجه تحديات عديدة، أبرزها انقطاع الكهرباء، الذي يعيق قدرتها على تخزين المواد اللازمة والمنتجات الجاهزة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواصلات وخدمات التوصيل، وغلاء أسعار مواد التغليف والعبوات والأغطية اللازمة لإعداد منتجاتها وتقديمها للزبائن.

خطط التعافي

وفي الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، يدعو اقتصاديان، إلى إعادة وضع التمكين الاقتصادي للنساء في صلب خطط التعافي، باعتباره أداة اقتصادية لا تقل أهمية عن إعادة بناء المنشآت والبنية التحتية.

ويؤكد المتحدثان لصحيفة "فلسطين" أن استمرار التعامل مع النساء في غزة باعتبارهن فئة مستفيدة من المساعدات فقط لا يتناسب مع حجم الأزمة الاقتصادية، موضحين أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الإغاثة إلى الإنتاج، ومن المنحة المؤقتة إلى الدخل المستدام، عبر برامج توفر للنساء التمويل والطاقة والأسواق والمهارات وفرص العمل.

وتأتي هذه الدعوات في وقت يعيش فيه سوق العمل في غزة واحدة من أسوأ مراحله؛ إذ تشير دراسة حديثة حول واقع المرأة المعيلة في القطاع إلى وصول البطالة بين النساء إلى نحو 92%، مقابل مشاركة اقتصادية لا تتجاوز 17%، في حين ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من نحو 12% قبل الحرب إلى 18% خلالها.

إعالة النساء للأسر

يقول الخبير الاقتصادي د. هيثم دراغمة إن مسؤوليات النساء في غزة ازدادت في إعالة الأسر، في الوقت الذي انهارت فيه قدرة السوق على توفير فرص العمل.

ويرفض دراغمة، في حديثه لـ"فلسطين"، اختزال التمكين الاقتصادي في توزيع منح صغيرة أو تنظيم تدريبات قصيرة الأجل، موضحًا أن المرأة التي تحصل على ماكينة خياطة، أو معدات لإنتاج الطعام، أو جهاز كمبيوتر، لن تتمكن من بناء مشروع مستدام إذا لم تتوفر لها الكهرباء والمواد الخام والتمويل التشغيلي والسوق والقدرة على الوصول إلى الزبائن.

ويؤكد أن برامج التمكين الجديدة يجب أن تقوم على منظومة متكاملة تشمل التمويل والطاقة والتدريب والوصول إلى الأسواق والتسويق والعمل الرقمي والحماية الاجتماعية.

ويقترح دراغمة إنشاء صندوق خاص للتمكين الاقتصادي للنساء في غزة، يجمع بين المنح ورأس المال التشغيلي والتمويل التوسعي، على أن يركز على المشاريع القادرة على الاستمرار وتوليد الدخل.

كما يطالب بإعطاء الأولوية للمشاريع التي تعتمد على مدخلات محلية قدر الإمكان، وتستطيع العمل بالطاقة الشمسية، وتوفر وظائف لنساء أخريات، وتمتلك سوقًا واضحًا لمنتجاتها.

ويؤكد أن الدخل الذي تحققه المرأة لا يبقى أثره داخل المشروع فقط، وإنما ينتقل إلى الأسرة من خلال الإنفاق على الغذاء والتعليم والصحة والسكن، ما يعزز الطلب المحلي ويزيد قدرة الأسر على مواجهة الصدمات الاقتصادية.

العمل الرقمي

من جانبه، يرى المختص الاقتصادي خالد أبو عامر أن المشاريع النسوية ينبغي أن تُصمم وفق نموذج قادر على العمل في ظروف عدم الاستقرار، مع توفير مراكز إنتاج مشتركة وتقليل الاعتماد على المواد الخام التي تحتاج إلى إدخال منتظم عبر المعابر.

وينبه أبو عامر، في حديثه لـ"فلسطين"، إلى أن العمل الرقمي يبرز باعتباره أحد القطاعات التي يمكن أن تمنح النساء في غزة فرصًا اقتصادية تتجاوز جزءًا من القيود المفروضة على حركة السلع.

ويقول إن بالإمكان تدريب النساء على مجالات مثل البرمجة والتصميم والترجمة والمحاسبة وخدمة العملاء والتسويق الرقمي وإدخال البيانات، وغيرها من الخدمات التي يمكن تقديمها لعملاء خارج القطاع.

ويرى أبو عامر أن المرحلة المقبلة تستدعي تجاوز نموذج المشروع الفردي الصغير إلى سلاسل قيمة، من خلال تجميع النساء في تعاونيات أو مجموعات إنتاجية تعمل في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والخياطة وإعادة التدوير والخدمات الرقمية والتعليم والرعاية والخدمات المجتمعية.

ويشير إلى أنه في اقتصاد يعاني من انهيار واسع في الإنتاج وفرص العمل، فإن إعادة النساء إلى النشاط الاقتصادي يمكن أن تسهم في توسيع قاعدة الدخل والإنتاج، والحفاظ على رأس المال البشري، وتقليل الاعتماد طويل الأجل على المساعدات.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن إجمالي الأضرار والخسائر التي لحقت بقطاع غزة وصل إلى نحو 57.9 مليار دولار، في حين تقدر احتياجات التعافي بنحو 71.4 مليار دولار، الأمر الذي يجعل إعادة تشغيل الاقتصاد وخلق مصادر دخل مستدامة تحديًا يتطلب تعبئة جميع الموارد البشرية، بما فيها النساء.

المصدر / فلسطين أون لاين