جاء ميلاد عبد الكريم كفرحة طال انتظارها لأسرة أنهكتها حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وفقدت خلالها كل ما تملك، وتجرعت مرارة النزوح والترحال. كان عبد الكريم أول مولود ذكر في الأسرة، فبدت ولادته كأنها فرصة لاستعادة شيء من الفرح الذي غاب طويلاً، لكن هذه الفرحة لم تدم طويلًا، وسرعان ما تبدّل المشهد تمامًا.
قبل نحو عامين، احتفلت أسرة أحمد العربيد بميلاد ابنها الأول، عبد الكريم، الذي عوّلت عليه الأسرة ليكون سندًا لشقيقته البالغة من العمر أربع سنوات. ويقول جده، عبد الكريم، لصحيفة "فلسطين": "كان حفيدي طفلًا طبيعيًا، لا يشكو أي أعراض مرضية، وينمو بشكل طبيعي مثل أقرانه، حتى بلغ من العمر ستة أشهر".
ويضيف: "فجأة، بدأت تظهر على عينيه رعشة لا إرادية، فتوجهنا به إلى المستشفى، حيث أبلغنا الأطباء بأنه بحاجة إلى إجراء صورة رنين مغناطيسي، لكنها لم تكن متوفرة في قطاع غزة بسبب الحرب. ومع استمرار نوبات الارتعاش في جسده، اصطحبناه إلى المستشفى مرات عدة، حينها رجّح الأطباء أنه يعاني نوبات كهربائية".
ويتابع: "حتى الدواء الذي وصفه الأطباء لحالته لم يكن متوفرًا في المستشفى، مع استمرار منع الاحتلال إدخال الأدوية بشكل طبيعي إلى قطاع غزة. واضطر الأطباء إلى إعطائه دواءً بديلًا، لكن للأسف، ترك هذا الدواء آثارًا وخيمة على حالة عبد الكريم".
بعد مدة من تناول العلاج، تبدّلت حال عبد الكريم من طفل يجلس ويناغي إلى جسد خامل بلا حراك، مستلقيًا على ظهره في فراشه، بعدما أصيب بارتخاء في العضلات والأعصاب، ولم يعد يتحرك إلا عندما ينتفض جسده بفعل النوبات الكهربائية. ويقول جده: "ازدادت حالته سوءًا؛ فبعد أن كانت نوبة الكهرباء تأتيه مرة كل يوم أو يومين، أصبحت لا تفارقه، وتصيبه عشرات المرات خلال اليوم".
ويمضي جده بالقول: "فجأة، ينتفض جسده لثوانٍ وترتعش عيناه، ثم يهدأ قليلًا قبل أن تعاوده النوبة من جديد، وهكذا تتكرر الحالة. وللأسف، لا يستطيع عبد الكريم الكلام أو التعبير عما يشعر به، ولا يلاحظ ما يحدث لجسده سوى من يجلس إلى جواره".
وما زاد معاناة عبد الكريم أنه فقد بصره، ولم يعد قادرًا على الرؤية بتاتًا. ويقول جده: "فقدان حفيدي لبصره حيّر أطباء العيون الذين عرضناه عليهم؛ إذ لم يجدوا أي خلل وظيفي في عينيه، كما لم يتمكنوا من تحديد سبب فقدانه البصر".
داخل خيمة النزوح، يعيش الطفل عبد الكريم مع أسرته في ظروف معيشية قاسية لا تناسب وضعه الصحي، إذ إن أي عدوى، كالإنفلونزا، تؤدي إلى تدهور حالته، ما يضطر والدته إلى المبيت معه في المستشفى وإبقائه تحت المراقبة الطبية.
وبالرغم من حصول عبد الكريم على تحويلة طبية للعلاج في الخارج قبل نحو تسعة أشهر، فإنه لم يتمكن من السفر حتى الآن بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على سفر المرضى للعلاج خارج قطاع غزة. ويقول جده: "نريد حق حفيدي في السفر للعلاج بالخارج، إذ يعجز الأطباء، في ظل ظروف الحرب ونقص الإمكانات الطبية هنا، عن تشخيص حالته وعلاجها، في حين تتدهور حالته الصحية يومًا بعد يوم. كل ما نريده أن يسافر فورًا، فالتأخير يضر بوضعه الصحي".