قائمة الموقع

جهاز الشرطة أفرادًا وضباطًا.. صمام الأمان المجتمعي في زمن الإبادة

2026-09-01T11:53:00+03:00
أفراد وضباط جهاز الشرطة في قطاع غزة يواصلون أداء مهامهم الميدانية تحت وطأة القصف والاغتيالات
فلسطين أون لاين

بين أنقاض المباني المدمرة، حيث يعلو هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية وتتجلى مخاطر الملاحقة والاستهداف الإسرائيلي المستمر، يواصل أفراد وضباط جهاز الشرطة في قطاع غزة أداء مهامهم الميدانية تحت وطأة القصف والاغتيالات التي لا تهدأ.

وبالرغم من الخسائر البشرية الفادحة التي مُني بها جهاز الشرطة، لم يتوقف ضباطه وعناصره حتى بعد استشهاد عدد كبير منهم في غارات إسرائيلية طالتهم في أثناء أداء واجبهم الوطني، وقد حافظ الجهاز على حضوره الميداني ليصبح صمام الأمان المجتمعي وخط الدفاع الأول عن الاستقرار وحماية الجبهة الداخلية من التفكك والفوضى.

وفي إطار مواكبة هذا الإنجاز، عايشت صحيفة "فلسطين" ميدانيًا عمل جهاز الشرطة في إحدى النقاط البديلة التي يعمل فيها أفراد وضباط الجهاز.

وفي أثناء وجود مراسلنا في واحدة من هذه النقاط، ارتفع فجأة رنين هاتف محمول لدى أحد الضباط. كان الاتصال نداء استغاثة عاجلا بعد اندلاع مشكلة عائلية في أحد مراكز الإيواء، ومنعًا لتطور الشجار، تجهز الضابط وعناصر الشرطة في غضون لحظات بعدما اتضحت التفاصيل، ومن ثم تحركوا بخطى متسارعة بين الركام والحجارة.

تحديات ترافقها اغتيالات

في زمن الحرب، أصبح عمل المنظومة الشرطية في ظروف بالغة القسوة والتعقيد، إذ لم يكتفِ جيش الاحتلال الذي بدأ حربه المدمرة على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بتدمير مقرات الشرطة والأجهزة الأمنية، بل لاحق قادتها وعناصرها وضباطها واغتال عدد كبير منهم.

وبحسب مصدر أمني، تتحفظ "فلسطين" على ذكر اسمه، فإن جيش الاحتلال تعمد استهداف مراكز الشرطة وعناصرها الميدانية في إطار سعيه لضرب البنية الإدارية والأمنية ونشر الفوضى.

وأكد المصدر ذاته، استشهاد 1400 شرطي منذ اندلاع حرب الإبادة، في حين بلغ عدد المصابين بجروح متفاوتة 1950. وعدَّ أن هذه الأرقام تعكس حجم التضحيات الجسيمة التي قدمها جهاز الشرطة للحفاظ على الجبهة الداخلية واستقرار المجتمع.

وعوضًا عن ارتداء الأزياء الرسمية التي باتت تشكل هدفًا مُباشرًا للاحتلال، تلجأ العناصر الشرطية إلى العمل بمرونة عالية وتمويه ميداني، متخندقين بين المباني المدمرة لتقديم الخدمات الأمنية وحفظ النظام العام، رافضين التخلي عن مسؤولياتهم رغم القصف المستمر وعمليات الاغتيال التي طالت قيادات ميدانية وكوادر أساسية في مختلف الإدارات.

ويضيف المصدر، أن "استهداف الاحتلال المباشر للبنية التحتية الشرطية لم يكن سوى محاولة يائسة لكسر شوكة الأمن وإشاعة الفوضى، غير أننا أعدنا تدوير إمكاناتنا المتاحة وتطوير آليات عمل مرنة تتناسب مع مراكز الإيواء والنزوح".

ويؤكد المصدر أن بقاء الشرطة في الميدان ليس مجرد واجب وظيفي، بل واجب وطني وأخلاقي مقدس لحماية الجبهة الداخلية، وصون كرامة المواطن.

ويشدد على أن عناصر الشرطة هم موظفون مدنيون يكرسون جهدهم لحماية أبناء شعبهم وحفظ أمنه المجتمعي وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني الذي يكفل توفير الحماية الكاملة لهم من انتهاكات الاحتلال، وضرورة محاسبته دوليًا على جرائمه الممنهجة ضد الكوادر الشرطية والمدنية على حدٍ سواء.

شريان الاستجابة

وبينما تتعدد أقسام وإدارات جهاز الشرطة، فإن قسم العمليات يُمثل العصب المركزي لاستقبال الشكاوى العاجلة ونداءات الاستغاثة الواردة من المواطنين، ورغم تدمير البنى التحتية والاتصالات، يعمل طاقم العمليات ضمن مهامه لتقييم البلاغات والتعامل مع الحالات الطارئة، سواء تعلق الأمر بالتدخل إثر غارات جوية، أو حوادث أمنية، أو مشكلات عائلية تتطلب تدخلاً فوريًا لمنع تفاقمها.

وخلال الحرب، تضاعفت أعباء قسم المباحث العامة في وجود الفوضى التي يحاول الاحتلال خلقها. كما يتولى قسم التنفيذ في جهاز الشرطة، بمهام حساسة تتمثل في إنفاذ الأوامر القضائية وإلقاء القبض على المتورطين في الجرائم الجنائية الكبرى.

كما يعد قسم مكافحة المخدرات حائط الصد الأمني الأخطر في مواجهة شبكات الترويج والاتجار بالمواد المخدرة التي قد تنشط في أوقات الأزمات والحروب بغرض تدمير النسيج الشبابي والأخلاقي للمجتمع.

وإلى جانب المهام الأمنية التي ينفذها جهاز الشرطة، يبرز دور دائرة العلاقات العامة كجسر تواصل إنساني حيوي وسط الضغوط النفسية والاقتصادية غير المسبوقة التي خلفتها الحرب والنزوح.

شهادات حيّة وسط الحرب

وبينما يواصل جيش الاحتلال انتهاكاته وجرائمه بغزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تنطق تفاصيل الحياة اليومية بأصوات رجال الشرطة الذين عاشوا وطأة الحرب ومرارة النزوح وقسوة المجاعة، وتحملوا المسؤولية واستمروا في أداء مهامهم رغم انعدام الإمكانيات.

يقول الضابط في قسم العمليات "م.ع": "حين يتصل علينا مواطن مستغيثًا من خطر يتهدد عائلته، أو للإبلاغ عن حادثة تفتك بما تبقى من استقرار، لا نبحث عن سيارة مُجهزة أو مكتب آمن، بل ننطلق بأقدامنا وتحت رصد مسيَّرات جيش الاحتلال، لأننا ندرك أن غيابنا يعني سيادة الفوضى، وكل استغاثة نتلقاها ونستجيب لها تمثل خطوة نحو حماية مجتمعنا".

من جانبه، يقول الضابط "ب.ط" من إدارة المباحث العامة: "العمل في ظل القصف والاغتيالات يزيد المسؤولية أضعافًا مضاعفة. عندما تقع جريمة سرقة أو اعتداء على ممتلكات نازح مقهور في خيمته، نتحرك بسرعة رغم المخاطر. الجاني يعتقد أن الحرب ستشفع له وتخفي جريمته وسط الفوضى، لكننا نُثبت له يوميًا أن عين القانون لا تنام، وأن حماية ممتلكات المواطن المكلوم مقدسة لدينا".

من جهته، يقول الضابط في قسم العلاقات العامة "م.د": "الضغوط النفسية الهائلة التي تعصف بالناس بسبب النزوح والجوع والفقد خلقت انفجارًا داخليًا في بعض البيوت، حيث تشتعل الخلافات لأتفه الأسباب. دورنا ليس مجرد فرض قانون، بل ندخل إلى الخيام بروح الأخ والناصح لإصلاح ذات البين، واحتواء الدموع وغضب اللحظة. رؤية عائلة تتصالح وسط الخيام وتعود لترميم حياتها يعادل لدينا تأمين مدينة كاملة".

أما الملازم أول "ب.د" الذي يعمل في دائرة العلاقات العامة بجهاز الشرطة، يقول: "رغم أننا لم نتقاض رواتبنا بانتظام ونعيش وأسرنا قسوة النزوح ومرارة العيش في الخيام، إلا أننا لن نترك عملنا ولن نسمح بسيادة الفوضى، فحماية الوطن وأمن مجتمعنا تظل أمانة كبرى في أعناقنا مهما اشتدت التضحيات".

ويعكس عمل أفراد وضباط جهاز الشرطة في زمن الحرب، الإرادة الصلبة التي يتمتع بها هؤلاء، فكل جريمة تفكك وكل بلاغ يتعاملون معه، يثبت أن منظومة الشرطة انبثقت مجددًا من رحم الإبادة، لتؤدي دورها المدني في حماية المجتمع وتعزيز صموده

اخبار ذات صلة