لم يعد المشهد الفلسطيني أمام تحالف انتخابي عابر، ولا أمام تفاهمات فرضتها حسابات المقاعد وحدها؛ فما يجري من تقارب بين قوى متباعدة في الموقع والخلفية السياسية، من حماس والجهاد الإسلامي إلى تيار محمد دحلان، مع احتمال اتساع الدائرة لتشمل قوى وطنية أخرى، يفتح الباب أمام سؤال أكبر بكثير من الانتخابات نفسها: هل بدأ زمن كسر احتكار القرار الفلسطيني؟
بعد عقود من الانقسام، وتآكل الشرعيات، وانفراد مراكز محددة بإدارة القرار السياسي، تأتي هذه التحولات لتضع النظام الفلسطيني أمام اختبار تاريخي: هل تستطيع القوى الفلسطينية الانتقال من منطق الإقصاء والاستئثار إلى شراكة حقيقية تعيد تعريف قواعد النظام السياسي؟
الأكثر إثارة أن التقاطع يجمع أطرافاً كانت حتى الأمس القريب في مواقع صدامية متناقضة، ما يعني أن السياسة الفلسطينية تدخل مرحلة إعادة تموضع عميقة، عنوانها الأبرز: المصلحة الوطنية قد تفرض تحالفات تتجاوز إرث الخصومة، وتعيد ترتيب موازين القوة والشرعية.
من تحالف انتخابي إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية
من السهل النظر إلى التقارب بين حماس والجهاد الإسلامي وتيار محمد دحلان بوصفه تفاهماً انتخابياً محكوماً بحسابات الصندوق، لكن هذه القراءة تبدو أقصر من أن تستوعب ما يجري في العمق، فحين تلتقي قوى متباعدة أيديولوجياً وسياسياً عند نقطة واحدة، بعد سنوات طويلة من الاستقطاب، فإن المسألة تصبح أقرب إلى إعادة تموضع سياسي منها إلى مجرد ترتيب انتخابي، وما يجري هنا هو انتقال من هندسة الخصومة إلى هندسة المصالح، ومن سؤال «من يهزم من؟» إلى سؤال «كيف يُعاد توزيع الوزن السياسي؟».
حماس، وهي تدرك أن العودة إلى معادلة الاستقطاب الثنائي لن تنتج سوى إعادة تدوير الأزمة، تبدو أمام فرصة لبناء مساحة سياسية أوسع من حدودها التنظيمية، بحيث يصبح حضورها جزءًا من كتلة وطنية متعددة المشارب، لا عنواناً منفرداً لمشروع انتخابي، أما انفتاح تيار دحلان على هذا المسار، فيحمل دلالة تتجاوز الحسابات الانتخابية، لأنه يضع تياراً من داخل فتح في مواجهة سؤال علاقته بالمركز الرسمي للحركة والسلطة.
وإذا انضمت قوى وطنية أخرى، ولا سيما الجبهة الشعبية، فإن المشهد قد ينتقل من «قائمة انتخابية» إلى «كتلة إعادة توازن»؛ أي كتلة لا تتشكل فقط للفوز بالمقاعد، وإنما لفرض معادلة سياسية جديدة على النظام الفلسطيني.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون الانتخابات، للمرة الأولى منذ سنوات، الأداة التي تُختبر بها إمكانية ولادة خريطة سياسية فلسطينية ثالثة، لا تلغي فتح ولا تستنسخ حماس، وإنما تكسر احتكار الثنائية للمشهد.
كسر احتكار القرار.. لماذا الآن؟
السؤال الأكثر حساسية: لماذا أصبح احتكار القرار الفلسطيني أقل قابلية للاستمرار؟ الإجابة ترتبط بواقع فلسطيني تغيّر بصورة جذرية، في حين ظلت البنية السياسية في كثير من جوانبها أسيرة قواعد قديمة، فالحرب، والانقسام، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتعطل التجديد الديمقراطي، كلها راكمت فجوة بين المجتمع وبين منظومة القرار، حتى أصبح الفلسطيني يشعر أن القرار يُصنع باسمه أكثر مما يُصنع بمشاركته.
ومن هنا يمكن فهم التحالفات الجديدة باعتبارها محاولة لاستعادة «حق التعدد في صناعة القرار»؛ أي الانتقال من شرعية تستند إلى التمثيل التاريخي أو الموقع المؤسسي إلى شرعية تتجدد عبر المشاركة الشعبية والتوافق الوطني.
إن المشكلة ليست في وجود فتح أو حماس داخل النظام السياسي، وإنّما في تحويل أي طرف إلى مركز وحيد للدائرة السياسية، فالقضية الفلسطينية، بحجم تعقيداتها، لا تحتمل عقلية «الممثل الأوحد»، ولا يمكن إدارة تعددها الوطني بمنطق الصوت الواحد.
ولهذا فإن التقارب بين خصوم الأمس يحمل رسالة سياسية واضحة: حين يتسع الخلاف داخل البيت الفلسطيني إلى درجة تهدد الجميع، يصبح كسر احتكار القرار مصلحة مشتركة، لا امتيازًا لفصيل بعينه.
وقد يكون هذا هو جوهر اللحظة الراهنة: ليست المعركة على من يجلس في مقعد القيادة فقط، وإنما على من يملك حق تعريف الاتجاه الفلسطيني وصياغة أولويات المرحلة.
إذا نجحت هذه التحالفات في تحويل التقارب من اتفاق انتخابي إلى ممارسة مؤسسية حقيقية، فقد نكون أمام بداية انتقال من «احتكار الشرعية» إلى «تداول الشرعية»، ومن نظام سياسي تُدار فيه الشراكة كاستثناء، إلى نظام تصبح فيه الشراكة هي القاعدة.
الانتخابات بين تجديد الشرعية والخوف من نتائجها
في هذه اللحظة، تبدو الانتخابات امتحاناً لإرادة النظام السياسي في قبول نفسه تحت الاختبار الشعبي، فالقيمة الحقيقية لأي انتخابات تبدأ من السؤال الذي يسبقها: هل ستُحترم نتائجها مهما كانت؟ هنا تحديدًا تتجاوز المعركة مسألة الفوز والخسارة، لتصبح معركة على معنى الشرعية نفسها.
إن إجراء انتخابات نزيهة، بمشاركة القوى الفلسطينية كافة، ثم القبول بنتائجها، يمكن أن يفتح نافذة نادرة لإعادة ترميم الثقة بين المجتمع والمؤسسات، أما أن تصبح الانتخابات قابلة للتأجيل كلما بدأت موازينها تميل في اتجاه غير مرغوب فيه، فذلك يعني تحويل الديمقراطية إلى «ديمقراطية مشروطة بالنتيجة»؛ أي انتخابات يُسمح بها حين تكون مخرجاتها مأمونة سياسياً.
والأخطر أن التأجيل، إن حدث بلا توافق وطني ومبرر مقنع، قد يعمّق أزمة الشرعية التي يعانيها النظام أصلًا، ويمنح القوى المتضررة من الوضع القائم فرصة للقول إن صندوق الاقتراع نفسه أصبح موضع وصاية.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي: هل يمتلك النظام السياسي شجاعة قبول الفائز؟
فالانتخابات التي لا يُقبل بنتائجها ليست تجديدًا للشرعية، وإنما تدويرٌ لأزمة الشرعية.
حماس أمام اختبار الشراكة، من قوة فاعلة إلى مشروع وطني جامع
أمام حماس فرصة سياسية لا ينبغي أن تُقاس بعدد المقاعد التي يمكن أن تحصدها، وإنّما بقدرتها على تحويل قوتها الجماهيرية إلى مشروع شراكة قابل للحياة، فالدخول في تحالف واسع مع قوى ذات خلفيات سياسية وفكرية مختلفة يضع الحركة أمام اختبار يتجاوز صندوق الاقتراع: هل تستطيع أن تكون جزءً من إعادة بناء النظام السياسي، لا مجرد طرف يسعى إلى تغيير موازين السيطرة داخله؟
نجاح هذا المسار يتطلب من حماس أن تجعل التعددية ممارسة لا شعاراً، وأن تحافظ على استقلالية حلفائها، وأن تتعامل مع التحالف باعتباره «مساحة وطنية مشتركة» لا مظلة تنظيمية ممتدة، كما يحتاج إلى برنامج سياسي واضح، تتقاطع فيه القوى على الثوابت الوطنية وإدارة المرحلة، دون أن تُلغى خصوصية أي طرف.
وهنا يمكن للتحالف أن يتحول من «تجميع أصوات» إلى «تجميع إرادات»؛ وهي النقلة التي تمنحه قيمة سياسية تتجاوز الانتخابات.
فإذا نجحت حماس في تقديم نفسها باعتبارها قوة تدفع نحو إنهاء احتكار القرار، وتقبل بالشراكة حتى عندما لا تكون هي الطرف المهيمن، فإنها تكون قد نقلت حضورها من خانة القوة الفاعلة إلى القوة المؤسسة.
وعندها تصبح الانتخابات بوابة لإعادة بناء البيت السياسي الفلسطيني على قاعدة: لا شرعية مكتملة بلا شراكة، ولا شراكة حقيقية بلا قبول متبادل بنتائج الإرادة الشعبية.
الخلاصة.. المعركة اليوم على من يملك حق صناعة القرار الفلسطيني، وما يجري من تحالفات عابرة لخطوط الانقسام قد يكون إرهاصاً بولادة معادلة سياسية جديدة: لا إقصاء لفصيل، ولا وصاية على شعب، ولا احتكار لشرعية.
فإما أن تكون الانتخابات بوابةً لكسر جدار الاستئثار وإعادة القرار إلى صاحبه الحقيقي: الشعب الفلسطيني، وإما أن يبقى صندوق الاقتراع رهينةً للخوف من نتائجه.
لقد تغيّرت فلسطين، ولم يعد ممكناً إدارة مشهد جديد بأدوات قديمة، فمن يخشى شراكة الصندوق، يخشى إرادة الشعب؛ ومن يخشى إرادة الشعب، لا يملك ترف الحديث عن الشرعية.