فلسطين أون لاين

تكايا غزة تتراجع.. والوجبة رحلة معاناة يومية في مخيمات النزوح

...
تكيات الطعام باتت الملاذ الأخير للعائلات الفقيرة بغزة
غزة/ يحيى اليعقوبي:

كان الأطفال يطرقون على الأواني الفارغة مع تأخر قدوم تكية طعام، أبلغتهم إدارة المخيم أنها تواصلت مع القائمين على التكية، في حين تجمع أطفال ونساء ورجال المخيم بانتظار وصول القدور، وتدفقت أعداد أخرى من المخيمات المجاورة مع علمهم بوجود تكية في المخيم الواقع بشارع الجلاء بمدينة غزة.

وتشهد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تدهورا مستمرا ألقى بثقله على معظم مجالات الحياة، وأدى لتراجع عمل تكايا الطعام الإغاثية، إذ بات العديد منها يعمل بطاقة متدنية، فضلا عن اعتماد معظم التكايا العاملة على طبخ أكلات معينة كالبازيلاء والفاصولياء والمجدرة أو المعكرونة والعدس أو المفتول المطبوخ عند الكثيرين بواسطة البرغل.

الملاذ الأخير

ونتيجة الواقع الصعب باتت تكيات الطعام الملاذ الأخير لعائلات أنهكها الفقر تحت وطأة الحرب، بحيث تخرج بعض العائلات مبكرا للبحث عن تكية طعام لا تزال تعمل.

وتعد منظمة "المطبخ المركزي العالمي" (WCK) من أكبر المؤسسات في قطاع غزة التي تقدم وجبات طعام، وتراجعت عملياتها بنسبة بلغت نحو 80% تزامنا مع تسريح مئات العاملين لديها، مما أدى لتعميق الأزمة الإنسانية لدى الكثير من المخيمات التي كانت تعتمد عليها.

مع وصول قدور التكية، تدافع الأطفال قبل الكبار كل يخشى أن يعود لخيمته بأطباق فارغة.

يقف الشاب محمد عوكل بجانب ظل خيمة، محاولًا الاحتماء من حرارة شمس الظهيرة، ولا يخفي ارتفاع تكاليف إعداد أي وجبة طعام، بحيث تفوق الوجبة الواحدة مبلغ 50 شيقلًا، ويقول لصحيفة "فلسطين" بينما كان ينتظر قدوم التكية: "لا أعمل حاليًا إلا بشكل نادر، وبالتالي لا يوجد لدي دخل لتوفير الطعام. الأسعار باهظة، ولا أستطيع شراء الخضار أو بعض الدجاج".

ومع كل صباح، يبحث عوكل عن مكان تكية، بهدف الوصول إليها مبكرًا، وباتت عملية توفير طعام التكية رحلة يومية يقضيها عوكل، وأضاف: "بعدما كنت أذهب للحصول على الطعام من ثلاث تكايا كانت تعمل يوميا في محيطنا، تراجعت أعداد التكايا، كما زاد التدافع الكبير أمامها، وكنت أخشى التعرض للحروق. أما الآن، فبالكاد نستطيع، وفي أحسن الأحوال، الحصول على طعام من التكية مرتين في الأسبوع".

أما عن الطعام المقدم من التكايا التي يذهب إليها عوكل، فقال بينما ابتسم من بين براثن القهر: "لا توجد أصناف متنوعة من الطعام؛ وإنما يضاف إليها بعض البهارات والملح وبعض المكونات البسيطة، ونحن نتحامل على أنفسنا حتى نستطيع تناولها لسد رمق الجوع".

في حين يعيش الستيني أسعد الحسني بمفرده داخل إحدى خيام المخيم، وتمثل التكية طعامه الأساسي، ويقول لصحيفة "فلسطين": "أعيش بمفردي داخل الخيمة، وأوزع مهامي بين جلب المياه وإحضار الطعام".

ويضيف الحسني: "أعيش في خيمة ولا أستطيع العمل. وعندما أذهب لجلب المياه أشعر بالتعب، وأضطر إلى الذهاب مرة أو مرتين. في السابق كنت أذهب يوميًا إلى أكثر من مكان، وكان الطعام متنوعًا، وليس الأرز أو الطبيخ فقط، لكننا اليوم نضطر إلى تناول ما يتوافر".

ويواصل الحسني حديثه، وهو ينتظر أمام التكية: "الناس متعبة، وتنتظر أمام التكية، فلا يوجد عمل ولا مصدر دخل ولا شيء. الأوضاع صعبة على الجميع. وعندما تصل التكية يفرح الناس ويتدافعون للحصول على الطعام، إلى جانب معاناتنا من نقص المياه وصعوبة الحياة داخل الخيام".

ويشير إلى أن التكية تخفف عنه جزءًا من معاناته، قائلًا: "التكية تخفف عني كثيرًا، فنحن بحاجة إلى الحطب وأدوات الطعام والشراب، ولا توجد لدينا القدرة على توفيرها. نسأل الله أن يرحمنا ويعيننا على هذه الظروف".

وتقف الطفلة غزل عابد بجوار صديقتها، وهي تحمل طبقًا فارغًا، وتقول لصحيفة "فلسطين": "آتي إلى التكية كل يوم، وأحيانًا لا أستطيع الحصول على الطعام لأن الكمية لا تكفي. أحضر الطعام لعائلتي، لأن أخي ليس موجودًا هنا، ونحن سبعة أفراد".

وتضيف غزل التي تتحدث بطريقة تعطيها سنا أكبر من عمرها: "كانت هناك ثلاث تكايا، أما اليوم فلا توجد سوى تكية واحدة. كما تعرضت للحروق عدة مرات بسبب التدافع حول قدر الطعام؛ فقد وقعت يدي في القدر ثلاث مرات، وأصبت بحروق، وبقيت نحو أسبوعين حتى شُفيت تمامًا".

أما الطفل مصعب شمالي، فيقول لصحيفة "فلسطين": "عندما سمعت عن قدوم تكية للمخيم المجاور جئت لتعبئة الطعام".

رحلة صعبة

وأدى تراجع عدد التكايا لجعل البحث عن الطعام أكثر صعوبة، وأصبح الحصول على الوجبة لدى الأسر الفقيرة مرتبطًا بوجود تكية عاملة في ذلك اليوم.

ومن بين الأطفال الذين اعتادوا الوصول إلى التكايا، الطفل أحمد، الذي جاء من أحد المخيمات الكبيرة بعدما توقفت التكية التي كان يعتمد عليها منذ نحو شهرين، ليبحث عن مكان آخر يمكنه الحصول منه على الطعام.

أما إيمان الشرباصي، وهي مريضة، فكانت تأتي إلى التكية لتعبئة الطعام، وتقول لصحيفة "فلسطين": "أعتمد على التكية في توفير الطعام، لأننا لا نستطيع توفيره، وأنا أرملة، ولذلك تسد التكية جزءًا كبيرًا من احتياجاتنا. وأحيانًا توفر لنا الخبز، لكن ليس في كل مرة أستطيع الحصول عليه".

وتوضح الشرباصي حجم الاعتماد على المساعدات الغذائية المتوافرة داخل المخيم، قائلة: "كانت التكية شيئًا مهمًا وكبيرًا بالنسبة لنا في المخيم، لكنها توقفت بالكامل ولم تعد موجودة. من الصعب عليّ توفير الطعام، وأعتمد أحيانًا على علب الفاصولياء التي أحصل عليها ضمن القسائم الغذائية من برنامج الغذاء العالمي، وحتى الخضار لا أستطيع شراءها لإعداد الطعام".

المصدر / فلسطين أون لاين