فلسطين أون لاين

من المطابخ إلى المقابر: الحصار يغيّر ملامح دفن الموتى بغزة

...
لحصار يغيّر ملامح دفن الموتى بغزة
خان يونس/ أحمد المصري:

في مشهد جديد يلخّص قسوة الواقع في قطاع غزة، لجأ غزّيون إلى استخدام ألواح "الجرانيت" المستخدم في إنشاء المطابخ، لتغطية قبور الموتى، كبديل اضطراري عن البلاط الاسمنتي الذي بات مفقودًا مع استمرار حظر السلطات الإسرائيلية إدخال مواد البناء والإنشاء منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023.

هذا التحول غير المألوف يعكس حجم التحديات التي يواجهها سكان الشريط الساحلي، حيث امتدت آثار الحصار حتى مراسم وطرق دفن الموتى.

خطوةٌ جاءت من رحم الحاجة والفاقة، وتوفّر جرانيت المطابخ بسبب انعدام الطلب عليه بعد توقف حركة البناء كليا في القطاع المحاصر.

ورغم ارتفاع كلفته مقارنة ببلاط الاسمنت رخيص الثمن المستخدم سابقا كغطاء للقبور، فإنّه بات خيارًا لا بديل عنه أمام العائلات التي تسعى لتأمين غطاء لقبور ذويها الموتى.

photo_٢٠٢٦-٠٦-١٨_١٥-٥٤-٤٣ (3).jpg
 

وفي منتصف "المقبرة التركية"، جنوب مدينة خان يونس، ينهمك طارق أبو حطب والذي يعمل على حفر القبور، كذلك توفير ما تحتاجه من مستلزمات الدفن، في تغطية القبور الجديدة بالجرانيت، ثم ردمها بالترب.

وغير بعيد عن وقوف أبو حطب، تنتصب ألواح الجرانيت على الرمال، في محاولة لتكون في متناول يده وتسهيل إنجاز أي مهمة جديدة بسرعة كبيرة.

كان أبو حطب قبل الحرب، يعمل في هذه المهنة، إلا أنه يرى كل شيء تغير فما كان في السابق، لم يعد كما يعيشه الآن مع الناس، إذ أن الألواح الجرانتيه الخاصة بالمطابخ لم تكن تستخدم سابقا، وبات الآن استخدامها شيء أساسي لا بديل عنه، رغم ارتفاع سعرها مقارنة بالسابق.

يقول: "أعان الله الناس، يلجؤون لشراء من 3 إلى 4 قطع من الجرانيت للقبر الواحد، سعر القطعة الواحدة منها 110 شيكل، بمجموع يصل ما بين 400 إلى 450 شيكل".

كان أبو حطب يستخدم سابقا 3 قطع اسمنتية يغطي بها القبر، سعرها جميعا لا تتجاوز الـ 100 شيكل، ويعتمد كليا على شراء الحجارة الخاصة ببناء القبور من مصانع الإنشاء، والتي أصيبت بحالة شلل تام وبسعر زهيد.

photo_٢٠٢٦-٠٦-١٨_١٥-٥٤-٤٢.jpg
 

ولم يجد أبو حطب بدًا أمامه إلا سلوك طريق الجرانيت لتغطية القبور، على الرغم من أنه يراها فكرة "سيئة" لأسباب تتعلق في بّنية المادة الضعيفة، إذ الكثير من أغطية القبور لا تحتمل ضغط الرمال العلوية فتحدث فيها عملية كسر وتحطم، ليضطر في مقابل ذلك العمل مرة أخرى في القبر ذاته من جديد.

وغير بعيد من مكان عمل العامل أبو حطب في المقبرة، وتحديدا إلى الجنوب من المقبرة التركية، ينهمك زميله أحمد صيام في محاولة مساومة بائع ألواح الجرانيت على أسعارها، حيث وفي كل مرة يجد سعرها ارتفع عن سابقه، ما يعرضه للإحراج مع "الزبائن" الذين يطلبون تجهيز قبور ذويهم.

وألواح الجرانيت ليست جميعها جديدة كما يؤكد صيام إذ الكثير تم استخراجه من بقايا مطابخ البيوت المهدمة، مستغربا في ذات الوقت من إصرار الباعة على بيع ما لديهم من جديد وقديم بالسعر ذاته.

طلب متزايد

يقول صيام إن الحاجة كبيرة والطلب كبير أيضا، بسبب أعداد الوفيات والشهداء التي تصل يوميا، ما يضطره لشراء أغطية القبور بالأسعار التي يطلبها الباعة، بدءا من الجرانيت وليس انتهاءً من حجارة القبور.

photo_٢٠٢٦-٠٦-١٨_١٥-٥٤-٤٢ (2).jpg
 

وداخل مقبرة خان يونس، يقف زميل ثالث لعاملي حفر القبور، وهو محسن أبو شمالة، إذ أن مهامه منوطة بحفر القبر وتجهيزه ومن ثم نقل الحجارة والبلاطة الجرانيتي إليه.

يؤكد أنه يحاول مع رفع الألواح ألا يكون عنيفا إذ أنها بنيتها ضعيفة سرعن ما تكسر، واللجوء إليها اضطراري.

وفي لمحة من حديث يأس يقول إن هذه الألواح الجرانتية متوفرة الآن، إلا أنه لربما يستيقظ من نومه في صبيحة الأيام القادمة في لا يجدها في السوق، لتغطية قبور الموتى، حيث الحصار خانقٌ، ولا يدخل القطاع أي شيء له علاقة بمواد الإنشاء.    

المصدر / فلسطين أون لاين