منذ عام 2017، اختار أحمد صيام طريقًا يعرف جيدًا أنه ليس سهلًا، وقد التحق بالعمل ضابطَ إسعاف ليصبح أمام مهمة إنسانية تتجاوز حدود الوظيفة، تتمثل في الوصول إلى المصابين وإنقاذ الأرواح في أكثر اللحظات قسوة، وعلى مدار نحو تسع سنوات ظل يؤدي مهمته، حتى جاءت الحرب لتضعه أمام واقع لم يشبه أي شيء عرفه من قبل.
يقول أحمد لصحيفة "فلسطين": "أحيانًا بعض الأمور تُفرض عليك فرضًا، حيث وضعت نفسي في موضع أمانة من أجل تقديم الخدمة الإنسانية في الظروف الصعبة التي يمر بها أبناء شعبنا على مدار سنوات الاحتلال الإسرائيلي".
وقبل الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان العمل يجري في بيئة أكثر أمانًا نسبيًا، كان نظام المناوبة قائم على 24 ساعة عمل مقابل 48 ساعة إجازة، وكان يرافق طواقم الإسعاف والدفاع المدني والأطباء في المهمات المختلفة، لكن مع اندلاعها تبدلت قواعد العمل تمامًا كما تبدلت معالم الحياة في غزة.
كان أحمد في منزله عندما بدأت الحرب، قبل أن يتم استدعاؤه ضمن حالة الاستنفار التي شملت طواقم الدفاع المدني والإسعاف، للعمل وفق خطة طوارئ تناسب الظروف الاستثنائية، في البداية، كان من المفترض أن يعمل يومًا ويستريح يومًا، لكن تصاعد جرائم الاحتلال وقصف للأحياء السكنية وكثرة الإصابات ونداءات الاستغاثة جعلت الراحة أمرًا نادرًا، وتحول العمل تدريجيًا إلى مهمة يومية متواصلة.
ويضيف: "زادت الضغوطات والعبء الملقى علينا، وبتنا نواجه مواقف صعبة جدًا لم نرها من قبل، ومشاهد مروعة من الجرائم زادت الأثر النفسي علينا. كنا أحيانًا نأكل أو نشرب وأيدينا ملطخة بالدماء، ولم يعد لدينا متسع للنوم أو الراحة، وحتى عندما نحظى بفرصة للنوم، تهاجمنا المشاهد التي تجعل النوم يهرب من أعيننا".
وبين عشرات المهمات، بقيت بعض المشاهد أكثر رسوخًا في ذاكرته، يتذكر أحمد مهمة توجه خلالها إلى استهداف دراجة نارية في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة. كان بالقرب من موقع الاستهداف منزل يقيم فيه رجل مسن وزوجته، وبعد أن تعاملت الطواقم مع الشهيد، اقترب الرجل من أحمد طالبًا المساعدة لزوجته التي لم يكن يعرف ما حل بها.
دخل المسعف إلى المكان، ليجد مشهدًا لم يستطع نسيانه. كانت المرأة تجلس لتناول السحور، وفي يدها لقمة، في حين غطى الدم الطعام والطبق أمامها بعدما اخترقت شظية رأسها وأودت بحياتها.
لم يكن الوقت يسمح لأحمد بالتوقف طويلًا أمام المشهد؛ فمهنته تفرض عليه الانتقال من مأساة إلى أخرى.
وفي مهمة إنسانية أخرى، خرج أحمد مع طواقم الإسعاف والدفاع المدني لانتشال شهداء من تحت الركام، استمر العمل لأكثر من 48 ساعة متواصلة، وسط الأنقاض والإرهاق، حتى عثروا على فتاة لا تزال على قيد الحياة. وبينما كان الهدف إخراجها من المكان، رفضت المغادرة قبل أن ترتدي حجابها، في مشهد اختلطت فيه الرغبة في النجاة بالتمسك بتفصيل صغير من الحياة والخصوصية.
وفي بداية اجتياح خان يونس، وجد أحمد نفسه أمام موقف أكثر خطورة، كانت طواقم الإسعاف تتعامل مع استهداف سيارتين تقلان نازحين من شرق المدينة باتجاه وسطها. وعندما اقتربوا من منطقة صلاح الدين، أخبرهم بعض المارة بوجود اجتياح للمدينة. لم يصدق أحمد الأمر في البداية، لكنه ما لبث أن رأى دبابة إسرائيلية أمامه.
كان بين المصابين فتاة تحتضن والدتها المصابة، في حين كانت تستنجد بالطواقم ألا تتركهما، مرددة: "أمانة ما تروحوا".
ويكمل أحمد: "هذه الكلمات كانت كافية لاتخاذ القرار"، وعقد مع سائق سيارة الإسعاف النية على إنقاذ المصابين، ونطقا الشهادتين قبل التقدم إلى المكان، وتمكنا من إخراج المصابين دفعة واحدة، في حين تعذر عليهما انتشال الشهداء في تلك اللحظة.
ولم تكن خطورة الاستهداف وحدها ما واجهته الطواقم، فقد عمل المسعفون مع شح الوقود، ونقص البطاريات والمستلزمات الطبية، وانقطاع الإنترنت الذي كان يساعدهم في تحديد مواقع الاستهداف، وفي كثير من الأحيان، أصبح الوصول إلى المصابين قائمًا على السمع والتخمين ومعرفة الطرق.
يتابع أحمد: "كنا نقطع من ملابسنا لأجل وقف النزيف في بعض الحالات لعدم توفر الشاش الطبي والضمادات، كان عنواننا: من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".
ولكن ما لا يظهر في صور سيارات الإسعاف ومهمات الإنقاذ هو الثمن النفسي الذي يدفعه المسعف بعد انتهاء المهمة. فعندما يحل الليل أو تأتي لحظة النوم، تعود المشاهد إلى ذاكرة أحمد. وجوه المصابين، أصوات الاستغاثة، والضحايا الذين لم يتمكن من إنقاذهم، كلها تتحول إلى أسئلة تؤرقه، في حين يطارده سؤال واحد: هل قدمت كل ما باستطاعتي؟
ولم يكن زملاؤه بمنأى عن الموت، فبكى أحمد على رفاق المهنة الذين فقدهم، ومن بينهم أحمد حمودة وسفيان حمدان. وفي 28 أغسطس/ آب 2025، في أثناء وجوده في مستشفى ناصر الطبي وانتشال الشهداء عقب استهداف جيش الاحتلال للصحفيين، وقع استهداف آخر للمكان، فأصيب أحمد بشظايا متفرقة، في العينين والأذنين، وخضع لفترة طويلة من العلاج.
وتسببت الإصابة في ضعف نظره، وأجبرته على ترك مهمة الإسعاف الميداني والانتقال إلى قسم الإعلام في الدفاع المدني، ليواصل خدمة الناس من موقع آخر.
حتى داخل منزله، كانت والدته تخشى أن تفقده. في إحدى المرات، لم تمضِ سوى ثلاث ساعات على عودته إلى البيت، حتى جاء اتصال عاجل يطلب حضوره بسبب صعوبة الأوضاع. حاولت والدته منعه، فأدخلته الغرفة وأغلقت الباب عليه بالمفتاح خوفًا من أن يخرج ولا يعود، لكنه تمكن بصعوبة من الخروج، ليغيب يومين متواصلين قبل أن يعود إليها.
وبالرغم من كل ما مر به، لا يتحدث أحمد عن الندم على اختياره مهنة الإسعاف، بل عن استمرار الأمانة التي حملها منذ عام 2017.
ويختصر رسالته قائلًا: "ما قدمناه من أرواحنا وأنفسنا وبيوتنا لله، فأقدارنا مكتوبة، ولا زلنا مستمرين في تقديم الخدمة الإنسانية".
فلم يعد أحمد يرى الإسعاف مجرد وظيفة أو مناوبة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، أصبحت المهمة بالنسبة إليه عهدًا يوميًا، يبدأ مع كل نداء استغاثة، وينتهي أحيانًا بوجه شهيد لا يستطيع نسيانه، أو مصاب أنقذه في اللحظة الأخيرة.
وبين الخوف الذي تحمله والدته، والذكريات التي تطارده ليلًا، والإصابة التي أبعدته عن الميدان، بقيت لديه قناعة واحدة: أن الوصول إلى إنسان يحتاج المساعدة، حتى في أقسى الظروف، هو أمانة لا يستطيع التخلي عنها.

