تتجه مليارات الدولارات من مدخرات الفلسطينيين إلى الودائع المصرفية التي تحمل فائدة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني تحديات كبيرة في الاستثمار والإنتاج وإعادة الإعمار.
ويقول الخبير الاقتصادي محمود القشاش إن وصول هذه الودائع إلى نحو 8.78 مليار دولار، بما يعادل 37.9% من إجمالي ودائع العملاء حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تتحول هذه الأموال إلى تمويل للإنتاج والمشروعات وفرص العمل، أم تبقى في الدورة المالية بعيدًا عن الاقتصاد الحقيقي؟
ويرى القشاش في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن أهمية الرقم لا تكمن في حجم الأموال المودعة فقط، بل في معرفة كيفية توظيفها ومدى عودتها إلى السوق عبر تمويل القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والزراعة والتجارة وإعادة بناء رأس المال الذي دمرته الحرب.
ويشير إلى أن ارتفاع الودائع بفائدة بنحو 450 مليون دولار خلال عام قد يعكس زيادة الميل إلى الادخار والبحث عن عائد آمن، مقابل تراجع جاذبية الاستثمار المباشر وارتفاع المخاطر الاقتصادية.
ويؤكد أن امتلاك المصارف للسيولة لا يعني بالضرورة وصولها إلى الاقتصاد المنتج، داعيًا إلى قياس أثرها من خلال حجم الائتمان وتوزيعه على القطاعات الإنتاجية، ونسبة التسهيلات إلى الودائع، وحجم الاستثمارات داخل الاقتصاد وخارجه.
ويشير إلى أن ضخ الأموال في الاقتصاد الحقيقي هو الذي يحول المدخرات من أرصدة مصرفية إلى إنتاج ودخل وفرص عمل.
ويقول إن الفارق بين تكلفة الودائع وعائد توظيفها يمثل مفتاحًا لفهم ربحية القطاع المصرفي، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالًا آخر: هل يتم توظيف أموال الفلسطينيين داخل الاقتصاد المحلي، أم أن جزءًا منها يذهب إلى أدوات واستثمارات مالية خارج الدورة الإنتاجية الفلسطينية؟
ويؤكد أن الإجابة عن هذا السؤال أهم بكثير من مجرد معرفة حجم الودائع.
وبحسب القشاش، فإن ارتفاع الودائع بفائدة بنحو 450 مليون دولار خلال عام يستحق قراءة اقتصادية معمقة، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة قد تعكس ارتفاع الميل إلى الادخار، وزيادة البحث عن عائد آمن، وتراجع جاذبية الاستثمار المباشر، وارتفاع المخاطر الاقتصادية، إضافة إلى ضعف الثقة بالبيئة الاستثمارية.
لكن الاقتصاد، في المقابل، يحتاج إلى تحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة ترفع الإنتاج وتخلق فرص العمل.
ويوضح أن المصارف قد تمتلك الأموال، لكن الشركات قد لا تمتلك القدرة أو الضمانات أو الرغبة في الاقتراض، كما أن ارتفاع المخاطر قد يجعل المصارف أكثر تحفظًا في منح الائتمان.
ويضيف أن الحرب وتدمير الأصول وضعف الطلب وانكماش النشاط الاقتصادي قد تقلص فرص الاستثمار المنتج، وبالتالي فإن المشكلة ليست بالضرورة نقص الأموال، وإنما قد تكون ضعف قدرة الاقتصاد الحقيقي على استيعابها.
وفيما يتعلق بالدولار والشيكل والدينار، يقول القشاش إن تعدد العملات يعكس طبيعة الاقتصاد الفلسطيني وسلوك المدخرين.
ويوضح أن الدولار يمثل بالنسبة لشريحة من المدخرين أداة للادخار والحفاظ النسبي على القيمة، فيما يحتفظ الشيكل بأهمية كبيرة بسبب استخدامه في المعاملات اليومية، بينما يظل الدينار حاضرًا في بعض المدخرات والتحويلات.
ويشير إلى أن اختيار العملة لا يعتمد على سعر الفائدة فقط، وإنما يرتبط بـالعائد ومخاطر سعر الصرف ومستوى الثقة.
ويرى القشاش أن ارتفاع الودائع لا يكفي للحكم على قوة الاقتصاد، داعيًا إلى قراءة أرقام الودائع إلى جانب مجموعة من المؤشرات، أبرزها: إجمالي التسهيلات الائتمانية، ونسبة التسهيلات إلى الودائع، وتوزيع القروض حسب القطاعات الاقتصادية، وأسعار الفائدة على القروض، وحجم التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وحجم التمويل الموجه للقطاعات الإنتاجية، وحجم الاستثمارات المصرفية داخل الاقتصاد وخارجه.
ويؤكد أن المؤشرات هي التي تكشف ما إذا كانت الأموال الموجودة في الجهاز المصرفي تتحول بالفعل إلى نشاط اقتصادي منتج.
ويرى القشاش أن الرقم الأهم ليس حجم الودائع الموجودة في المصارف، وإنما حجم الأموال التي تعود إلى الاقتصاد الفلسطيني في صورة استثمار وإنتاج وتشغيل، لأن الاقتصاد لا يُقاس فقط بما يدخره الناس، بل بقدرته على تحويل مدخراتهم إلى قوة إنتاجية.

