فلسطين أون لاين

في اليوم العالمي للمفقودين.. أمهات فلسطينيات يتساءلن: أين أبناؤنا؟

...
في اليوم العالمي للمفقودين.. أمهات فلسطينيات يتساءلن: أين أبناؤنا؟
غزة/ أدهم الشريف:

تحت أشعة الشمس الساطعة، وقفت أمهات المفقودين والمخفيين قسرًا في فعالية حاشدة، لا للتعبير عن مأساتهم منذ أن غاب عنهن أبناؤهن إبّان حرب الإبادة الجماعية، بل للسؤول عن مصيرهم المجهول.

وأقامت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية فعالية بعنوان "المفقودون ليسوا أرقامًا"، أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غربي مدينة غزة، بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين الذي وافق أمس، وشاركت فيها عائلات المفقودين وناشطون حقوقيون.

ورفع المشاركون في الفعالية لافتات مخطوط عليها شعارات، أبرزها: "أين أبناؤنا؟"، "الصمت جريمة"، "معًا من أجل الحقيقة". وأكد المشاركون فيها، أن لكل مفقود اسم وحق لا ينسى، والكشف عن مصيرهم حق أساسي لا يسقط بالتقادم.

ووفق معطيات أوردتها مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، بلغ عدد المفقودين والمخفيين منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، 9500 مفقود ومجهول المصير.

وقال المنسق العام لشبكة المنظمات الأهلية محمد صالحة: في غزة، توجد عائلات لا تعرف حتى هذه اللحظة: أين أبناؤها؟ هل هم أحياء أم أموات؟ أين دفنوا؟ وماذا حدث لهم؟ وهنا تكمن المأساة الأعمق.

وأضاف صالحة في كلمة خلال الفعالية: "الموت، رغم قسوته، يمكن للعائلة أن تحزن عليه وتودّع صاحبه، أما المفقود فيترك عائلته معلقة بين الأمل والخوف، بين الحياة والموت، وبين الانتظار والصدمة"، عادًا أن "الانتظار الطويل شكل آخر من أشكال المعاناة الإنسانية".

وأكد أن حق عائلات المفقودين في معرفة مصير أبنائها ليس منّة من أحد، وليس ورقة تفاوض، أو ملفًا يمكن استخدامه سياسيًا، إنه حق إنساني وقانوني أصيل.

واستطرد: "القانون الدولي الإنساني لا يتعامل مع المفقودين باعتبارهم أرقامًا، بل يفرض على أطراف النزاع واجبات تتعلق بالبحث عن المفقودين، وتسجيل الوفيات، وحماية رفات الموتى، وتوفير المعلومات التي تمكّن العائلات من معرفة مصير أحبائها".

وقال: "السؤال الذي نوجهه اليوم إلى المجتمع الدولي: ليس كم عدد المفقودين؟ بل: ماذا ستفعلون لمعرفة مصيرهم؟"

وطالب صالحة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية بتحمل مسؤولياتها تجاه قضية المفقودين في غزة، ووضعها في صلب أي ترتيبات إنسانية وسياسية قادمة.

وأوصى الصليب الأحمر بتعزيز دوره في البحث عن المفقودين ومتابعة حالاتهم ودعم العائلات في الوصول إلى المعلومات.

كما طالب صالحة بإطلاق برنامج دولي عاجل لدعم قدرات الطب الشرعي والتعرف على الجثامين في قطاع غزة، بما في ذلك المختبرات والمعدات والخبرات.

ودعا إلى ضمان توثيق جميع حالات المفقودين والمحتجزين ومجهولي المصير، وعدم السماح بأن تختفي أسماؤهم من السجلات مع مرور الوقت.

وشدد على ضرورة إلزام قوات الاحتلال بتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، وتقديم قوائم كاملة بالمحتجزين وأماكن احتجازهم، وتمكين الطواقم الطبية والحقوقية من البحث عن الجثامين وتحديد هوياتها.

من جهتها، قالت بيسان أبو جياب، والدة الشاب المفقود كريم: إن عائلات المفقودين تعيش معاناة يومية بسبب غياب المعلومات عن مصير أبنائها، مطالبة المجتمع الدولي والجهات الرسمية والمؤسسات الحقوقية بتحمل مسؤولياتها والكشف عن مصيرهم.

وأكدت أبو جياب في كلمة لها، أن الفعالية تمثل "تحركًا إنسانيًا بالدرجة الأولى يستند إلى مطالب وحقوق قانونية مشروعة".

وأضافت: "نحن أمهات وأهالي المفقودين والمفقودات نعاني كل يوم وجعًا مختلفًا؛ فمن استشهد ابنها تعرف مصيره وتستطيع دفنه، لكن وجع المفقود هو وجع الانتظار، إذ لا نعرف كل يوم: هل ابننا على قيد الحياة أم استشهد؟ وأين دُفن إذا كان قد استشهد؟"

وتابعت: أن هناك "غيابًا متعمدًا من سلطات الاحتلال عن تقديم المعلومات الكاملة بشأن أبنائنا وبناتنا المفقودين والمفقودات داخل سجون الاحتلال"، مشددة على ضرورة الكشف بشكل خاص عن مصير النساء والأطفال.

وأوضحت أن نجلها كريم كان يبلغ 17 عامًا عندما فُقد، ولم تجد العائلة أي معلومات بشأن مصيره، رغم توجهها المتكرر إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات ومؤسسات دولية أخرى.

وطالبت أبو جياب الصليب الأحمر بـتحمل مسؤولياته والضغط على سلطات الاحتلال للكشف عن مصير المفقودين، باعتبارها جهة دولية معنية بمتابعة هذه الملفات.

وتابعت: إن "عائلات المفقودين تعيش أيضًا على وقع القلق والخوف بشأن ما قد يتعرض له أبناؤها وبناتها داخل سجون الاحتلال، من انتهاكات وحرمان من الاحتياجات الإنسانية والرعاية الطبية، مطالبة بتوفير المعلومات عن أوضاعهم ومصيرهم".

كما دعت السلطة الفلسطينية واللجنة الوطنية لإدارة غزة، إلى متابعة ملف المفقودين وأخذ دورها بشكل فاعل، وإنشاء قاعدة بيانات حقيقية ورقمية تتضمن معلومات موثقة عن جميع المفقودين.

وأشارت إلى أن الرقم المتداول، والمقدر بنحو 11,200 مفقود، يمثل الحالات التي جرى إحصاؤها والإبلاغ عنها، مرجحة وجود أعداد أخرى لم يتم إحصاؤها أو التبليغ عنها أو الكشف عنها حتى الآن.

وأكدت أن "ملف المفقودين ملف إنساني بالدرجة الأولى"، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والضغط على الاحتلال للكشف عن مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتبطة بهذا الملف.

وحول حالة نجلها، أوضحت أبو جياب أن كريم "فُقد بعد توغل دبابات الاحتلال في حي المنارة، ولم تظهر له جثة أو أي معلومات منذ ذلك الوقت"، مشيرة إلى أن العائلة لجأت إلى منظمات دولية ومؤسسات حقوقية، كما كلفت محامين بمتابعة القضية.

وشددت على أن قدرة بعض العائلات على الوصول إلى محامين ومؤسسات حقوقية لا تعني أن جميع الأسر تستطيع ذلك، قائلة: إن "هناك كثيرًا من الأهالي والأمهات غير القادرين حتى على التواصل مع المحامين والمحاميات في الداخل والضفة لمتابعة قضايا أبنائهم".

من جهتها، قالت نهى الأقرع في كلمة نيابة عن أمهات المفقودين: "في اليوم العالمي للمفقودين، نرفع الصوت من قلب المعاناة والمأساة، لنؤكد للعالم أجمع أن أبناءنا وإن غابوا قسرًا، فإن حقوقهم ليست مفقودة ولن تطوى في سجلات النسيان".

وأضافت الأقرع، أن "الموت في غزة فاجعة تترك خلفها قبورًا معروفة يُبكى فوق ثراها؛ أما الاختفاء القسري فهو الجرح النازف والموت المؤجل الذي يتجدد مع كل إشراقة شمس. إن لكل غائب منا اسمًا، وحكاية، وضحكة، وملامح طمسها ركام البيوت أو غيبتها المعتقلات في صمت مُطبق، ولن نسمح أبدًا بتحويل أبنائنا إلى أرقام".

وطالبت المؤسسات الدولية بالانتقال الفوري من مربع التضامن والبيانات إلى تحمل المسؤولية واتخاذ خطوات فعلية لكشف مصير المفقودين، مع ضرورة إشراك أمهاتهم كشريكات أساسيات في الجهود المتعلقة بقضية أبنائهن.

المصدر / فلسطين أون لاين