على الرغم من أن إدارة ترامب لهيئاته السياسية، بخاصة الخارجية منها، تشكل خروجًا على تقاليد ونمطية الإدارة الأمريكية المعروفة، إلا أن حجم التغييرات والخلافات داخل أجهزته الأمنية هي الأكثر وضوحًا في هذا المشهد، وهو ما يشير إلى "قلق كامن" من مخبوءات يحرص ترامب أن لا تصلها عيون الرقيب أو بعض من شعاع الشمس... وهو ما دفعه لانتهاج "تسييس الأجهزة الأمنية" وخلق "فوضى منظمة" داخليًا وخارجيًا.
فإذا كان ثمة إجماع على أن حجم التغييرات يصل إلى درجة غير مسبوقة في الأجهزة الأمنية والأجهزة القضائية ذات الصلة بالموضوعات الأمنية "الحساسة"، فإن الضرورة تقتضي تحديد الأعداد والقيادات، بخاصة التي تصيبها رياح ترامب العاتية.
شكلت استقالة جو كنت (المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي يعد من أهم المؤسسات في الجانب الأمني) علامة فارقة. ففي مارس 2026، أعلن كنت عن استقالته احتجاجًا على الحرب الأمريكية على إيران، وبرر استقالته بتعبير واضح بأنه لا يستطيع دعم هذه الحرب لأسباب "أخلاقية". ثم جاءت استقالة تولسي غابارد من منصبها كمديرة للاستخبارات الوطنية، وهي معروفة بموقفها من معارضة الحرب مع إيران ومن "سياسات الاسترضاء الترامبية لروسيا"، على غرار موقف جو كنت ذاته، وقد تكون إصابة زوجها بالسرطان سرّعت من الاستقالة، لكنه لم يكن السبب المركزي.
والغريب – كما تقول الصحف الأمريكية، مثل واشنطن بوست وغيرها – أن ترامب كان ميالًا إلى استبعاد كل من كنت وغابارد عن اجتماعاته التي تناقش موضوعي إيران والعلاقة مع روسيا. وتشير التقارير الإعلامية الغربية إلى أن غابارد كانت تصر على التحقيق في مسألتين، هما: تقييم التدخل الروسي في انتخاب ترامب، ورفع السرية عن وثائق مرتبطة بالعلاقة مع روسيا، بخاصة بعد أن ساهمت في كشف تقرير مهم للجمهوريين عن العلاقة مع روسيا تحت اسم "Russia Collusion Hoax"، وانتهى الأمر باستقالتها وتعيين أحد المقربين جدًا من ترامب، وهو جاي كلايتون (وهو شخص من خارج جهاز الاستخبارات، وكان مدعيًا عامًا ثم رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات)، وهو ذو صلة حميمة مع ترامب.
وتشير تقارير عديدة إلى أن أكثر من ألف موظف في هذه الأجهزة غادروا عملهم، بخاصة في السي آي إيه والاستخبارات الوطنية (ODNI)، التي تنسق عمل 18 جهازًا استخباراتيًا أمريكيًا، بل إن خلافًا كشفته الصحف الأمريكية كان يدور حول "طبيعة المعلومات التي يجب أن يطلع عليها الرئيس وكيفية استخدامه لها".
من الضروري هنا التنبيه إلى أن غابارد (مديرة الاستخبارات) كانت الأكثر إلحاحًا على متابعة التحقيق في السر وراء دعم روسيا لانتخاب ترامب في دورته الرئاسية الأولى، ويبدو أن الهاجس لدى السي آي إيه كان حاضرًا لدفع مدير السي آي إيه، جون راتكليف، لزيارة موسكو هذا الشهر سرًا، لكن ترامب حاول التهوين من سبب الزيارة التي التقى فيها راتكليف مع مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية (SVR)، سيرغي ناريشكين، ووصفها بأنها "روتينية"، في حين تناقلت وكالات الأنباء والصحف الكبرى، استنادًا لمراسليها، أن الزيارة كانت ذات صلة وثيقة بموضوعي إيران وعلاقات روسيا المتوترة والمتصاعدة مع دول الناتو.
من الواضح أن ترامب يريد خضوع الأجهزة الأمنية لتعليماته، بغض النظر عن "تناقض هذه التعليمات مع الطبيعة المهنية لدور هذه المؤسسات". فترامب عاش حياته التجارية – كمدير عام لمؤسسات استثمارية خاصة – آمرًا لا مأمورًا، كما أن لديه هواجس مما قد تصل إليه المخابرات من معلومات لا يريد لأحد أن يصل لها. فالذي أرسل بديلًا له لتقديم امتحان القبول في الجامعة، والذي يُصدر قرارًا – بعد أن أصبح رئيسًا – يمنع فيه المؤسسات التعليمية التي مر منها خلال رحلته الدراسية من تزويد أي جهة بكشوف علاماته الدراسية أو الجامعية، لن يتورع عن فعل نفس الشيء عندما يكون في لجة بحر الاستخبارات الهائج.
ويكفي أن نشير إلى مثال واحد؛ ففي مارس 2025، أصدرت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية تقييمًا للهجمات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، وقالت إن إيران قادرة خلال شهور قليلة على إعادة هذه المنشآت لعملها، خلافًا لادعاء ترامب أنه دمرها تمامًا. فما كان من ترامب إلا أن أقال مدير استخبارات الدفاع، الجنرال جيفري كروس، وتصاعدت الخلافات بين مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI) وإدارة السي آي إيه، التي توقفت عن تقديم تقييماتها المرتبطة بالحرب على إيران، بل إن السيد بول بولت، الذي حل محل غابارد، قام بعملية نقل وإقالة عدد كبير من موظفي هذه الأجهزة. فمكتب الاستخبارات عرف إقالة أو نقل حوالي 200 موظف من موظفيه، وهو ما جرى في أغلب الأجهزة الـ18 التي أشرنا لها.
إن موجات التغيير المسيسة تشير إلى تغيير حوالي 1200 من جهاز الاستخبارات الوطنية، وإلغاء التصاريح الأمنية لأكثر من 37 مسؤولًا حكوميًا، وإقالة نصف محققي قسم مكافحة الإرهاب في وزارة العدل... إلخ. وكلها شواهد تؤكد تسييس الأجهزة الأمنية؛ لأن ترامب قلق من "ما وراء الأكمة".
فإذا أضفنا لكل ما سبق شاهدًا جديدًا برز مؤخرًا حول علاقة ترامب بروسيا، نزداد فهمًا لتسييس ترامب للأجهزة الأمنية، وهو كتاب عنوانه:
"Trump, Putin, and the New Age of Conquest: Betrayal"
للكاتب البريطاني في صحيفة الغارديان، Luke Harding، والذي يرى أن ترامب "مأخوذ تمامًا بشخصية بوتين، ولديه رغبة أن يكون مثله"، ويبدو أن بوتين يدرك ذلك ويستغله.
لكن ربط كتاب هاردينغ السابق بمجموعة التقارير التي أُطلق عليها "Steele Dossier"، التي كتبها كريستوفر ستيل (ضابط استخبارات بريطاني) في 2016، وتتضمن الملفات معلومات عن اتصالات سرية بين ترامب وروسيا تصل أحيانًا لابتزاز مالي روسي لترامب، لكن هذه المعلومات جعلت الـFBI الأمريكية تراقب بعض من حول ترامب، وما تبع ذلك من مناقشات حامية حول مراقبة أحد العاملين في الحملة الانتخابية لترامب وتأكيد اتصالات له مع الروس، وهو كارتر بيغ، الذي كان مستشارًا في حملة ترامب الانتخابية عام 2016.
الخلاصة:
إن الفترة الرئاسية الثانية لترامب – بخاصة مع تقدمه في العمر (80 سنة) – تكشف أن المنصب "أكبر كثيرًا من شاغله". فإلى جانب شخصيته المريضة بالنرجسية العالية جدًا (لديه 8 صفات من أصل 9 صفات لمرض النرجسية المكتمل)، والتي أصبحت أكثر معاناة من فشله في حروبه التجارية الدولية، وفي شعبيته المتراجعة داخليًا، ومحدودية نتائجه في إيران، بل وخروجه عن تقاليد العلاقة المتوترة الأمريكية الروسية، وخلفيته الفكرية السياسية الفقيرة، وطغيان المنظور البراغماتي الضيق عنده للعلاقات الدولية، جعله يخلط بين إدارة العقارات وإدارة العلاقات الدولية، وتورطاته السياسية والأخلاقية التي تتبدى في محاولاته لعلاجها بالكذب الذي لا ينقطع... أظن أن كل هذا يفسر "عدوانيته المرتجلة"، وهي مرحلة لا أظن أن المؤرخ الأمريكي سينساها... ربما.

