"لو إنها دموعي لهانت، لكنها دموع أمة".. هكذا قال الشهيد قيس بيطاوي، وكأن كلماته كانت تختزن حكاية رحيله، وحكاية مخيم اعتاد أن يدفع من دماء أبنائه ثمنًا للحرية.
لم تكن كلمات قيس عابرة؛ فقد كتب في منشوره الأخير على "فيسبوك": "إنها الجنة يا صاحبي"، وكتب: "الفوز الحقيقي عندما يصطفيك الله شهيدًا مجاهدًا في سبيله، تذود عن دينه وترد الظلم".
وفي مساء الجمعة، تحولت الكلمات إلى جزء من سيرة صاحبها، في حي حرش السعادة، غرب جنين، كان قيس ورفيقاه باسل تركمان وأحمد تركمان على موعد مع الشهادة، حين استهدفت طائرة للاحتلال منزلًا كانوا يرابطون فيه.
كلمات قيس لم تكن مجرد كلمات عابرة بل أعراسا من الشموع لأجلها انتفض واستشهد فعاشت بين الأحياء، هكذا بدت كلماته بعد رحيله؛ أعراسًا من الشموع، خرجت من ذاكرة المخيم، لتبقى جملته: "لو إنها دموعي لهانت، لكنها دموع أمة"، ثم جملته الأخرى، الأكثر اختصارًا وأشد وقعًا: "إنها الجنة يا صاحبي".
رحل قيس ورفاقه، لكنهم تركوا حكاية ثلاثة شبان خرجوا من رحم جنين؛ المخيم الذي لا تمر فيه أسماء الشهداء عابرة، فلكل اسم حكاية، ولكل حكاية مكان في ذاكرة اعتادت أن تضحي لأجل فلسطين، وأن تحفظ أبناءها في أزقتها وبيوتها ووجدان أهلها.
جنين التي هزمت جيوشًا، وهزّت عروشًا، وكتبت بدماء أبنائها تاريخًا لا يمحى؛ مخيم كلما ودع شهيدًا، أعاد كتابة حكايته من جديد، لتبقى شاهدة على أن الدم قد يغيب أصحابه، لكنه لا يغيب عن ذاكرة الأرض.
ولفهم وقع هذا الرحيل، لا بد من العودة إلى ذاكرة جنين نفسها، إلى أيام تحولت فيها أزقة المخيم إلى ساحة لأحد أكثر الاجتياحات دموية خلال انتفاضة الأقصى عام 2002، يومها حاول الاحتلال، عبر ما سماها عملية "السور الواقي"، كسر حالة المقاومة في الضفة، وكان مخيم جنين أحد أبرز ميادين المواجهة.
لكن المعركة قد حفرت عميقا في ذاكرة المخيم، لم تنتهِ بانتهاء الاجتياح، بقيت آثارها في الجدران المهدمة، والعائلات التي فقدت أبناءها، وحكايات الأبطال الذين أصبحت أسماؤهم جزءًا من الذاكرة الشعبية للمخيم؛ محمود طوالبة، وجمال أبو الهيجا، ورياض بدير، ونصر جرار، ومحمد وأمجد الفايد، ومحمود حلاوة وغيرهم.
ثم انتقلت تلك الذاكرة بين أبناء المخيم، من جيل إلى آخر، حتى خرج رعد خازم من بين أزقته ووصل إلى قلب تل أبيب، فرض عليها حصارا ومنع عنها التجول ليلة كاملة، قبل أن يستشهد بعد مطاردة وصفت بالصعبة، وتبعه بنفس المنهج شقيقه عبد الرحمن، ثم اغتال الاحتلال والدهما جبل فلسطين فتحي خازم، لتبقى حكايتهم جزءًا من ذاكرة جنين، شاهدة على جيل حمل حكايات من سبقه وترك بدوره حكاية للأجيال القادمة.
هكذا لا تبدو حكاية قيس ورفاقه منفصلة عن سياق جنين؛ إنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من البطولة والفداء، ففي كل مرة يظن الاحتلال أنه أغلق صفحة من صفحاتها، تعود الذاكرة لتفتحها بأسماء وصور وحكايات جديدة.
رحل قيس ورفاقه، لكنهم تركوا رواية جديدة مكتوبة بالدم، أسماء لا تغيب بسهولة، وتبقى معلقة في ذاكرة المخيم.
جنين التي أثقلتها الجراح لم تمح ذاكرتها؛ تكتب كل يوم أسماء أبنائها على جدار الزمن، ثلاثة أسماء جديدة في مخيم تعلم أن يحفظ أبناءه بالاسم والصورة والحكاية.

