مع اقتراب العام الدراسي الجديد، تواجه الأسر في قطاع غزة ارتفاعًا في تكاليف التعليم لدى بعض المدارس الخاصة والمراكز التعليمية ورياض الأطفال، وسط ظروف اقتصادية قاسية تجعل الرسوم الشهرية عبئًا إضافيًا على ميزانيات أنهكتها الحرب والنزوح وتراجع مصادر الدخل.
وتتحدث إحسان بارود من حي الدرج شرق مدينة غزة عن توجهها إلى أحد المراكز التعليمية للسؤال عن تكلفة الدروس الخصوصية لطلبة الثانوية العامة، لتُفاجأ بطلب 500 شيكل رسومًا شهرية، إضافة إلى 200 شيكل رسوم تسجيل. وتقول: "الطالب جاء ليدرس الثانوية العامة، وليس ليحجز جناحًا في فندق خمس نجوم".
وتوضح بارود لـ"فلسطين" أن الأسرة مطالبة بدفع 700 شيكل منذ البداية، قبل أن يبدأ الطالب فعليًا في تلقي الحصص، متسائلة عن الأساس الذي حُددت عليه رسوم التسجيل.
وتضيف: "لماذا تُدفع رسوم التسجيل؟ هل هي مقابل فتح ملف الطالب، أم تسجيل اسمه، أم خدمات أخرى؟".
وترى أن قيمة الرسوم لا تتوقف عند المبلغ المطلوب في البداية، إذ يستمر القسط الشهري طوال العام، إلى جانب تكاليف الكتب والقرطاسية والمواصلات وغيرها من احتياجات الدراسة.
وتؤكد أن الاستثمار في التعليم ضروري، لكن ارتفاع تكلفته قد يحرم أسرًا محدودة الدخل من اختيار التعليم الذي تراه مناسبًا لأبنائها، مطالبة بمراجعة الرسوم ومراعاة الظروف الاقتصادية للأهالي.
مدارس خاصة
ولا تقتصر الشكاوى على المراكز التعليمية، إذ تقول سمية رجب إنها واجهت رسومًا مرتفعة في أثناء بحثها عن مدرسة خاصة لابنتيها.
وتوضح رجب لـ"فلسطين" أنها سألت عن تسجيل ابنتها في الصف الثامن، فأُبلغت بأن الرسوم الشهرية تبلغ 480 شيكلًا، في حين بلغت الرسوم المطلوبة لابنتها في الصف الثالث 450 شيكلًا شهريًا.
وتقول إن تعدد الأبناء يجعل القسط الشهري أكثر صعوبة، إذ لا تدفع الأسرة مبلغًا واحدًا، بل تتحمل رسومًا متكررة عن كل طفل، إلى جانب المصاريف الدراسية الأخرى.
وتشير إلى أن تكاليف الكتب والقرطاسية والمواصلات والاحتياجات المدرسية ترفع الكلفة الفعلية للتعليم، ما يجعل الأسر مضطرة إلى إعادة حساب قدرتها المالية قبل تسجيل أبنائها.
عبء التوجيهي
أما خولة الهسي، فتتحدث عن رسوم المراكز التعليمية التي تستقبل طلبة الثانوية العامة، مشيرة إلى أن بعض المراكز تطلب، وفق ما سمعته، نحو 500 شيكل شهريًا، في حين أبلغتها صديقة بأن مركزًا طلب 600 شيكل مقابل دراسة ابنتها.
وتقول الهسي لـ"فلسطين": "أنا في رأسي ألف دوامة، أين أضع ابنتي؟ ومن أين أجيب لها راتبًا حتى تدرس؟ هي علمي توجيهي السنة، أرحمونا".
وتبين أن الأسرة التي لديها أبناء في مراحل تعليمية مختلفة تجد نفسها أمام التزامات متزامنة، ما يجعل رسوم الثانوية العامة عبئًا إضافيًا، خصوصًا في ظل حاجة طالب الفرع العلمي إلى متابعة دراسية في مواد متعددة.
وتشير إلى أن القلق لا يتعلق بالعام الحالي فقط، بل يمتد إلى المرحلة الجامعية، متسائلة عن قدرة الأسر على تحمل تكاليف التعليم مستقبلًا إذا كانت الرسوم الحالية تفوق إمكاناتها.
رياض الأطفال
وتشمل شكاوى الأهالي أيضًا رسوم رياض الأطفال، التي أصبحت بندًا إضافيًا في ميزانية الأسرة، خصوصًا للعائلات التي لديها أكثر من طفل.
وتزداد حساسية هذه الكلفة في ظل الظروف المعيشية الصعبة في قطاع غزة، حيث تحاول الأسر توزيع دخلها المحدود بين الغذاء والسكن والعلاج والتعليم وسائر الاحتياجات الأساسية.
ولا تعني هذه الشهادات أن جميع المدارس الخاصة أو المراكز أو رياض الأطفال تفرض الرسوم ذاتها، وإنما تعكس تجارب أسر تطالب بمعرفة الكلفة الكاملة للتعليم قبل التسجيل، والخدمات التي تحصل عليها مقابل المبالغ المدفوعة.
حق المعرفة
ولا يعترض الأهالي على وجود التعليم الخاص أو على حصول المؤسسات التعليمية على رسوم مقابل خدماتها، لكنهم يطالبون بوضوح أكبر في تحديد الأسعار.
وتتمثل أبرز مطالبهم في إعلان الرسوم الشهرية ورسوم التسجيل وأي تكاليف إضافية منذ البداية، وتوضيح الخدمات التي تغطيها هذه المبالغ، حتى تتمكن الأسرة من اتخاذ قرار يتناسب مع إمكاناتها.
كما يطالبون الجهات المختصة بمتابعة شكاوى الأهالي والتحقق من التزام المؤسسات التعليمية الخاصة والمراكز ورياض الأطفال بالتعليمات المنظمة لعملها، بما يحفظ حق الطلبة في التعليم ويمنع تحول كلفته إلى عائق أمام الأسر.
استجابة مدرسة
وفي سياق الاستجابة لملاحظات الأهالي، أوضحت إدارة إحدى المدارس الخاصة أنها راعت الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الأسر في قطاع غزة، واتخذت جملة من الإجراءات لتخفيف الأعباء المالية عن أولياء الأمور، مع تطوير نظامها التعليمي في الوقت ذاته.
وأعلنت الإدارة خفض الرسوم الشهرية إلى 150 شيكلًا بدلًا من 200 شيكل، إلى جانب رسم لحجز المقعد بقيمة 50 شيكلًا غير مستردة، مع تخصيص خصم بنسبة 10% للأشقاء و25% للأيتام.
وأوضحت الإدارة أن الرسوم الجديدة تتزامن مع تطوير النظام التعليمي في المدرسة، مشيرة إلى رفع عدد الحصص الأسبوعية من 12 إلى 30 حصة، وزيادة الدوام إلى أربع ساعات يوميًا بدلًا من ساعتين يومًا بعد يوم، إلى جانب توسيع التدريس ليشمل ثماني مواد بدلًا من أربع.
وأضافت أن هذه التعديلات تأتي في إطار التنظيمات الجديدة الصادرة عن وزارة التربية والتعليم الخاصة بتنظيم عمل المدارس الخاصة.
وتشير هذه الخطوة إلى إمكانية معالجة جانب من شكاوى الأهالي من خلال مراجعة الرسوم وتقديم خصومات للفئات التي تحتاج إلى دعم، بالتوازي مع توضيح طبيعة الخدمات التعليمية المقدمة.
مسؤولية مشتركة
ولا تعني شكاوى الأهالي أن جميع المدارس والمراكز التعليمية تفرض رسومًا مرتفعة أو أن كل زيادة غير مبررة، فلكل مؤسسة تكاليفها وخدماتها وظروف تشغيلها.
لكن الأسر تطالب بتحقيق توازن بين قدرة المؤسسات على الاستمرار وتقديم تعليم جيد، وبين قدرتها هي على تحمل الرسوم، خصوصًا عندما يكون لديها أكثر من طالب.
كما أن إعلان الرسوم بوضوح قبل التسجيل، وبيان الخدمات التي تشملها، وتحديد أي مبالغ إضافية، يساعد الأسر على اتخاذ قرارها دون مفاجآت مالية لاحقة.
وفي غزة، حيث يحاول الأهالي الحفاظ على تعليم أبنائهم بالرغم من آثار الحرب والنزوح والظروف الاقتصادية، يبقى الوصول إلى التعليم حاجة أساسية.
وتتطلب المرحلة تعاون المؤسسات التعليمية والجهات المختصة والأسر للوصول إلى رسوم وخدمات أكثر وضوحًا، بما يحفظ جودة التعليم ويخفف العبء عن أولياء الأمور، حتى لا تتحول القدرة المالية إلى عامل يحرم طفلًا من فرصة التعليم