لم تقتصر تداعيات حرب الإبادة الجماعية المستمرة على حصد الأرواح وتدمير الحجر فحسب، بل امتدت لتطال شبكات الأمان الاجتماعي والإنساني التي كانت تمثل طوق النجاة لعشرات آلاف الأسر في قطاع غزة. وفي صدارة هذه المنظومة تأتي "كفالات الأيتام"، التي تعرضت لعملية تآكل بنيوي ومالي، محولة معيلي الأسر من حالة الاعتماد النسبي على الدعم إلى دائرة العوز المطلق ومواجهة شبح الجوع في خيام النزوح.
فقبل اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، كانت قيمة كفالة اليتيم الواحد التي تقدمها المؤسسات والجمعيات الخيرية والجهات المانحة للأيتام تتراوح بين 1200 إلى 1500 شيكل شهريا، وهو مبلغ على محدوديته آنذاك كان يكفل تغطية جزء معتبر من الاحتياجات الأساسية للطفل من مأكل ومسكن وتعليم.
أما اليوم، وفي ظل الواقع الكارثي الراهن، فإن معظم الكفالات المقدمة للأيتام انحدرت بشكل غير مسبوق بما لا يتجاوز 1400 شيكل للعام الكامل (أي ما معدله نحو 116 شيكلا شهريا فقط)، وهو رقم ضئيل وهزيل لا يلبي أبسط مقومات البقاء.
مظلة مهشمة وملاحقة ممنهجة
من جانبها، تدق وزارة التنمية الاجتماعية في غزة ناقوس الخطر إزاء اتساع رقعة المأساة، وفي هذا السياق، تؤكد المتحدثة باسم الوزارة، عزيزة الكحلوت، لصحيفة "فلسطين"، أن في قطاع غزة أكثر من 68 ألف يتيم، معظمهم فقدوا أحد والديهم أو كليهما معا منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتوضح الكحلوت أن هؤلاء الأطفال لا يجدون كفالات ثابتة، وإنما يتلقى بعضهم مساعدات مالية بسيطة لا ترقى بأي حال لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وحول الأسباب الجذرية لهذا الانهيار غير المسبوق في شبكة الأمان الاجتماعي، تشير الكحلوت إلى منظومة معقدة من التضييقات، تبدأ من حالة الخوف والتردد التي تعتري الجهات المانحة والكافلة جراء الملاحقات الأمنية المستمرة وسياسة إغلاق الحسابات المصرفية التي يمارسها الاحتلال، ولا تتوقف عند الإغلاق التام للمعابر والقيود المصرفية الخانقة التي شلت شرايين الحركة المالية.
وتضيف أن أتون الحرب أسفر عن إغلاق عدد من الجمعيات والمؤسسات الإنسانية ووقف أعمالها ومساعداتها بشكل كامل، يضاف إلى ذلك تعمد سلطات الاحتلال رفض ترخيص العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية الفاعلة، ما أدى إلى حرمان الآلاف من الأطفال من أبسط حقوقهم في الرعاية والحماية.
بين مطرقة الاحتياجات وشح التمويل
بدوره، يوضح خالد ناصر، مدير البرامج في إحدى الجمعيات الخيرية المحلية بقطاع غزة، لصحيفة "فلسطين" حجم الأزمة الإدارية والميدانية قائلا: "نعيش اليوم أسوأ كابوس إداري وإنساني، فقبل الحرب كانت آليات تحويل الأموال واضحة والتضخم تحت السيطرة، أما اليوم فالأسباب التي أدت لإنهاك الكفالات تتلخص في تقييد السيولة، وارتفاع عمولات الصرافة، والانفجار المرعب في أعداد الأيتام الجدد مقابل تراجع الميزانيات العامة للمؤسسات المانحة وتدمير بنيتها التحتية".
ويضيف أن "هذا الواقع دفع بعض الجمعيات إلى تقسيم المتاح لتغطية أكبر عدد ممكن، فتحولت الكفالة إلى مبالغ رمزية لا تليق بحجم المعاناة، وإلى جانب ذلك، يبرز تحد إضافي يتمثل في عمل بعض المبادرين والأفراد خارج الأطر المؤسسية المنظمة، إذ تتسبب تحركاتهم العشوائية أحيانا في خلق بيئة تنافسية سلبية مع الجمعيات الرسمية، من خلال إقناع بعض الكفلاء بتقليص قيمة الكفالة أو توجيهها بطرق مجتزأة، مما زاد من تعقيد المشهد ووضع المؤسسات الإنسانية في مواقف حرجة أمام الكفلاء والمستفيدين على حد سواء".
بين انقطاع الكفالات وفتات المساعدات
وبعيدًا عن الأرقام والتفسيرات، تتجسد أزمة الكفالات في تفاصيل حياة أمهات وجدن أنفسهن أمام احتياجات متزايدة ومبالغ لا تكاد تكفي لأيام قليلة.
تتحدث ريهام عاشور، والدة لأربعة أيتام، بمرارة عن هذا الواقع وتقول لصحيفة "فلسطين": "كنا قبل الحرب ندبر أمورنا بالحد الأدنى من الكفالة الشهرية، أما اليوم فإن مبلغ 1400 شيكل الذي يفترض أن يصرف طوال العام، تستهلكه الأسرة وتدفع ثمنا لأبسط الاحتياجات الغذائية الأساسية فور استلامه في أيام معدودة".
وتضيف مرتدية عباءة الصبر وسط خيمة مهترئة في إحدى مناطق النزوح في مدينة غزة: "معيشة الخيمة لها استحقاقاتها القاسية من توفير أبسط السلع التي قفزت أسعارها إلى أضعاف مضاعفة. هذا المبلغ لم يعد يكفي لإطعام الأطفال أسبوعا واحدا، فكيف بمدار عام كامل؟".
وفي السياق ذاته، تقول السيدة ابتسام الهندي، وهي أم لأربعة أطفال استشهد زوجها في عام 2021: "بعد استشهاد زوجي تلقيت العديد من الكفالات من مؤسسات خيرية وكانت قيمتها جيدة جدا حيث تراوحت بأكثر من 1200 شيكل للطفل الواحد بشكل شهري. أما الآن، وبسبب حرب الإبادة، فقد انقطع جزء منها بشكل نهائي وبقي جزء بسيط انخفضت قيمته لتصل إلى 1400 شيكل سنويا للطفل الواحد! هذا ظلم كبير للأطفال، فلم أستطع تلبية احتياجاتهم بسبب ارتفاع الأسعار، ولم تكف حتى لعدة أيام، خاصة أنني أعيش الآن في خيمة بعد تدمير منزلنا"، داعية إلى إعادتها كما كانت لتستطيع توفير احتياجات أبنائها.
أما السيدة وفاء السيقلي، وهي أرملة تعيل 6 أبناء واستشهد زوجها في عام 2014، فتقول لصحيفة "فلسطين": "كنت أتلقى كفالة لثلاثة أطفال من إحدى المؤسسات الخيرية بقيمة تعادل 1800 شيكل لكل منهم، وهو مبلغ ممتاز في حينها كنت ألبي به احتياجات أبنائي دون أن أحتاج أحدا وكان يكفي طوال الشهر. لكن الآن، فقدت جميع الكفالات وانتهى عمل الجمعية بسبب تدمير مقراتها وفرض عقوبات عليها من الاحتلال. أنا أعيش اليوم ظروفا صعبة للغاية وأنا في خيمة متهالكة على أعتاب فصل الشتاء، وأصبح لدي صبايا بحاجة للكثير من المتطلبات. أدعو الجميع للوقوف معي والتدخل لتوفير كفالات تسد جزءا من احتياجاتهم".
بدورها تقول السيدة جيهان ساق الله، التي استشهد زوجها خلال حرب الإبادة ولديها 5 أطفال: "تلقيت كفالة لطفل واحد فقط وقيمتها 150 شيكلا بشكل شهري، ماذا تفعل هذه الكفالة للأطفال؟ حتى إنني عندما أذهب لاستلامها أدفع 30 شيكلا مواصلات ليتبقي منها 120 شيكلا فقط.. ماذا أفعل بها؟ للأسف لم نجد من ينصرنا وينصف حالنا حتى الآن".

اليتيمة ريتال ساق الله
ولا تختلف عنها كثيرا صرخة وفاء حجازي (أرملة تعيل 4 أطفال وتعيش في خيمة بمنطقة البريج)، والتي تقول: "استشهد زوجي خلال الحرب الأخيرة على غزة، وتلقيت كفالة لطفلتي الرضيعة من إحدى المؤسسات بقيمة 140 شيكلا شهريا، وهي لا تكفي لاحتياجات الطفلة نفسها، فهي بحاجة ماسة إلى حفاضات وحليب أطفال. أناشد برفع قيمتها والعمل على كفالة باقي الأبناء".
وتأتي أزمة الكفالات في وقت تتفاقم فيه كلفة المعيشة في قطاع غزة، مع شح السلع الأساسية وتراجع المساعدات، ما يضاعف الأعباء على الأسر التي فقدت معيلها وتعيش في ظروف نزوح قاسية.
أمام هذا الواقع المأساوي، تطلق الأسر والأوساط الإنسانية نداء عاجلا إلى المؤسسات الكافلة، والجمعيات الخيرية، و"أهل الخير" في كل مكان، لإعادة النظر عاجلا في سلم الكفالات وقيمتها المالية، وربطها بمتغيرات السوق وغلاء المعيشة الفاحش.

