الثبات في العمل السياسي مسألة تنم عن الجمود وربما تقرب العمل والعاملين إلى الانطواء والاندثار، في حين ما هو مطلوب ومهم في العمل السياسي هو ديناميكية الفعل والفاعل، وربما أبرز أوجه الديناميكية هي التحالفات.
وما يُقال عن أن "الإنسان ناقصٌ بنفسه، وأكثر كمالاً بإخوانه"، يصلح أن يُقال عن الدول والأحزاب فـ"الدولة ناقصة بنفسها أكثر كمالاً مع غيرها من الدول"، فمنذ القِدم والتحالفات بين التجمعات البشرية - بغض النظر عن طبيعة الحياة، ومستوى الفوارق بينهما- تسير وفق معطيات الزمان والمكان والضرورة، وأخذت عبر العصور أشكالاً مختلفة، وتقوم فلسفة التحالف على إيجاد قواسم مشتركة بين المتحالفين، أو استثمار ما بينهما من قواسم لإنشاء تحالف، والتحالف بين الدول والاحزاب يأخذ مستويات عديدة، ويسمح للمتحالفين باستخدام ما يلزمهم من موارد لتحقيق هدف التحالف.
إسقاطا لما سبق على واقعنا الفلسطيني، فمؤخراً، أعلنت فصائل فلسطينية أبرزها حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي، تحالفها لخوض الانتخابات التشريعية مُنافِسةً لحركة فتح، وهذا شيء جيد وجديد، ولا عيب فيه ما دام التنافس من أجل الوطن والمواطن، ويعكس تطورا في الفكر السياسي للأطراف، وينم عن وصولهم لمرحلة استياء من حركة فتح التي يقودها محمود عباس.
وهنا يطرح الشارع الفلسطيني سؤالاً جوهرياً: هل هذا التحالف مرحلي أم إستراتيجي؟
المتأملُ في طبيعة الفصائل يجد أن بينها من القواصم أكثر مما بينهما من القواسم، ما يجعل المُتابع يشعر بالحيرة كيف توافقت! لكن العارف ببواطن وخفايا السياسة يُدرك أنه لا ثوابت في السياسة، وأن عدو اليوم قد يصبح صديق الغد، وصديق اليوم قد يصبح عدو الغد.
هذا التحالف الذي أخذ الطابع السياسي في خطوة من أهم خطوات الحياة السياسية في كل مجتمع وهي الانتخابات، ليس التحالف الأول، فقد سبقه تعاون كبير بين الأطراف، وإن لم يصل لمرحلة التحالف بالمعنى الدقيق للتحالف، فالأطراف قد وصلوا لمرحلة متقدمة من التعاون والتنسيق في قضايا عديدة خاصة فيما يتعلق بالقضايا الخدماتية التي تمس حياة المواطن في غزة، ولا سيما وقت الحرب، فالتيار الإصلاحي لا زال يقدم لغزة خدمات يمكن القول بأنها أكبر مما تقدمه السلطة الوطنية وهذا يتم بالتنسيق والتعاون مع المؤسسات المختصة بغزة.
شخصياً، أرى أن هذا التحالف لا يمكن تسميته بالتحالف الاستراتيجي، بل هو مرحلي اقتضته المنافسة الانتخابية، فهم، وإن جمعهم التحالف للتنافس ضد حركة فتح، فبينهم ما لا يطيل من عمره أو تمدده ليشمل جوانب أخرى، هذا ليس تشكيكاً بوطنية أحد، لكن لاختلاف برامجهم السياسية خاصة فيما يتعلق بالنظر لإسرائيل، فبعض الأطراف ينظر لها أنها عدو ولا يجوز النظر لها بأقل من ذلك، وبعض الأطراف يرى في التعامل معه شرا لا بد منه.
لكن بالرغم من سلبية الإجابة، وأتمنى أن تخيب توقعاتي، فهذا لا ينفي ضرورة دعم مثل هذه الخطوات التي تنم عن ذكاء سياسي مارسته الأطراف وفق ما تمليه الظروف، بما لا يضر أحدهم بالآخر، والجميل أن كلا منهما يفهم الأخر، فحماس تُدرك أن مفتاح أبواب الفرج على أهل غزة قد يكون في جيب دحلان، ودحلان يدرك أن حماس بهذا التحالف تسمح له بما لم يكن مسموحا له سابقاً، والأيام ستؤكد ما ذهبنا له.
ومما أحدثه هذا التحالف هو إرباك خصمهم السياسي "رئيس السلطة وفريقه" الذين لم يعجبهم الأمر وبدؤوا بالتلويح بإمكانية تأجيل الانتخابات واستدعاء مسوغات ليست طارئة، مثل أن ظروف غزة لا تسمح بسبب الحرب، وأن الضفة غير مستقرة بما يكفي، والاحتلال لن يسمح بإجرائها في القدس، وحينما نقول إنها ليست طارئة، فالقصد أن ظروف غزة والقدس والضفة حاضرة منذ سنوات، وأنه سبق تأجيل انتخابات 2021 نظرا لمنع الاحتلال إجراءها بالقدس.
يبقى القول إن التحالفات مسألة مهمة، وتنم عن حرص الأحزاب على تشكيل معارضة لفكرة تطرحها المؤسسة الحاكمة، ولا سيما إن كانت الفكرة المطروحة لم تنل رضا الشعب عنها.