لم يكن المواطن إسماعيل البريم يتوقع أن تكون رحلته القصيرة لتعبئة المياه لأطفاله هي الأخيرة في حياته، حين استهدفت مسيرة إسرائيلية أمس خيمة تؤوي نازحين في مخيم غيث بمنطقة المواصي غربي مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاده وإصابة خمسة آخرين، في حين لحقت أضرار بثلاث خيام في المكان.
وقال ضابط الإسعاف في جهاز الدفاع المدني عز الدين أبو صبحة إن طواقم الدفاع المدني تلقت إشارة تفيد باستهداف خيمة داخل مخيم غيث، فتوجهت طواقم الإسعاف والإطفاء إلى الموقع، حيث عملت على انتشال الشهيد وإسعاف المصابين.
وأوضح أبو صبحة لصحيفة "فلسطين" أن المكان كان يأوي عائلات نازحة، مشيرًا إلى أن الشهيد كان يقوم بتعبئة المياه لأطفاله لحظة استهدافه، في مشهد يلخص قسوة الحياة التي يعيشها النازحون في قطاع غزة، حيث تحولت أبسط الاحتياجات اليومية، كالحصول على المياه، إلى مهمة محفوفة بالموت.
وفي مراسم وداعه، اختلطت دموع والدته المكلومة بهتافات المشيعين، الذين حملوا جثمانه ورددوا عبارات الوداع والدعاء، وسط مشهد مؤلم يعكس حجم الفاجعة التي خلفها فقدانه بين عائلته وأطفاله.
وبينما كانت والدته تبكيه، عددت مناقبه وصفاته، ووصفت نجلها بأنه “راجل محترم، راجل بيعرف الله”، مؤكدة أنه كان يرفض المراوغة، وكان إمامًا للمسجد، ومعروفًا بحسن أخلاقه والتزامه وبره بوالديه.
وقالت الأم بحرقة وهي تودع نجلها إن إسماعيل كان يحب أطفاله كثيرًا، مشيرة إلى أن لديه ثلاث بنات وولدًا، وأن ابنته الصغيرة ما زالت في مقتبل العمر، قبل أن تطلق مناشدة للعالم والعرب قائلة: “وين العالم وين العرب يشوفوا إلي بصير فينا، وينهم يتحركوا ويوقفوا حرب الإبادة”.
وعلى وقع تشييع الجثمان، علت هتافات المشيعين: “لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله”، و”يا إسماعيل وداعك حور الجنة بتستناك”، و”حسبي الله ونعم الوكيل”، في وداع رجل خرج من خيمته لتأمين المياه لعائلته فعاد إليها شهيدًا.
ويقول أحمد البريم أحد النازحين في مخيم غيث، وهو قريب الشهيد، إن استهداف المخيم ليس حادثة معزولة، موضحًا أن خيام النازحين تعرضت للقصف مرات عدة، سواء داخل المخيم أو في المناطق المحيطة به وفي مختلف أنحاء مواصي خان يونس.
وأضاف أن اتفاق وقف إطلاق النار، بالنسبة للنازحين، لم يتحول إلى واقع يلمسونه في حياتهم، مؤكدًا أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل القتل والقصف، وأن ما يُعلن من تهدئة يبقى، “حبرًا على ورق” أمام استمرار سقوط الضحايا.
وأوضح أن آلاف المواطنين فروا من الموت في رفح وخان يونس باتجاه المواصي، بعدما اعتقدوا أن المنطقة التي صُنفت منطقة إنسانية قد توفر لهم قدرًا من الأمان، لكن القصف، وفق شهادته، لاحقهم حتى إلى خيام النزوح.
ومع تشييع إسماعيل البريم، تتجدد مأساة النازحين في قطاع غزة، الذين لم يجدوا مكانًا آمنًا يحميهم من القصف، فيما يواصلون البحث عن الماء والغذاء ومقومات الحياة وسط واقع إنساني بالغ القسوة.
وفي المواصي، كما في غيرها من مناطق القطاع، يبدو أن رحلة النزوح لم تكن هروبًا من الموت، بقدر ما كانت انتقالًا به من مكان إلى آخر.

