لم تكن حرب الإبادة على قطاع غزة ذات فاتورة مالية بسيطة على الاحتلال؛ فمع امتداد الحرب وتعدد جبهاتها، تحولت الكلفة الاقتصادية من نفقات عسكرية مباشرة إلى عبء واسع يطال الموازنة العامة والدين وسوق العمل والاستثمار والنمو الاقتصادي.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن الكلفة المباشرة وغير المباشرة للحرب اقتربت من مئات مليارات الشواكل، في حين ارتفع الدين العام بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب.
وتؤكد بيانات رسمية إسرائيلية ودولية أن آثار الحرب لم تقتصر على الإنفاق العسكري، بل امتدت إلى نقص العمالة، وتراجع الإنتاج عن المسار الذي كان متوقعًا قبل الحرب، وضعف الاستثمار في بعض القطاعات، وارتفاع كلفة الاقتراض والإنفاق الحكومي.
يقول المختص الاقتصادي محمود القشاش إن ارتفاع كلفة الحرب على غزة وتداعياتها إلى نحو 420 مليار شيكل لا يرتبط فقط بالنفقات العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى تداعيات اقتصادية ومالية واجتماعية واسعة، حوّلت الحرب إلى أزمة اقتصادية وهيكلية شاملة.
ويوضح القشاش لصحيفة "فلسطين" أن إطالة أمد الحرب وتحولها إلى حرب استنزاف، إلى جانب تعدد جبهاتها، أديا إلى ارتفاع الإنفاق العسكري بصورة كبيرة، مع استدعاء أعداد ضخمة من قوات الاحتياط، وزيادة نفقات الرواتب والتعويضات والصيانة والوقود والنقل، فضلًا عن استنزاف مخزونات الذخائر والحاجة إلى شراء كميات إضافية بشكل عاجل.
ويشير إلى أن التأثيرات الاقتصادية لم تكن أقل حدة، إذ تعرض الاقتصاد لانكماش خلال المراحل الأولى من الحرب، مع تراجع الاستهلاك المحلي والواردات والصادرات، إضافة إلى انخفاض الاستثمارات المحلية والأجنبية وتضرر قطاعات إنتاجية مختلفة.
ويبين القشاش أن سوق العمل تعرض بدوره لضغوط كبيرة نتيجة تجنيد أعداد واسعة من العاملين في قوات الاحتياط، إلى جانب النقص في العمالة الفلسطينية في قطاعي البناء والزراعة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف توفير العمالة البديلة.
ويضيف أن العبء المالي يمثل أحد أبرز مكونات تكلفة الحرب، في ظل ارتفاع الدين العام بنحو مئات مليارات الشواكل، وزيادة مدفوعات الفوائد على القروض الحكومية واتساع العجز في الموازنة، فضلًا عن تكاليف تعويض السكان المتضررين وتمويل عمليات الإجلاء ودعم القطاعات الاقتصادية المتضررة.
ويؤكد القشاش أن قراءة تكلفة الحرب من خلال النفقات العسكرية وحدها لا تعكس حجم الخسائر الحقيقية، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الكلفة يرتبط بتراجع الإنتاج والاستثمار، وتعطل سوق العمل، وارتفاع الدين العام، وزيادة الأعباء المالية.
وبحسب أحدث تقديرات بنك (إسرائيل) الصادرة في يوليو/تموز 2026، يُتوقع أن يستقر الدين الحكومي عند نحو 69% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام الجاري، فيما يُقدّر عجز الموازنة بنحو 4.9% من الناتج في السيناريو الأساسي، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن حجم الإنفاق الدفاعي وإمكانية زيادته.
وكان الدين قد ارتفع إلى 68.5% من الناتج في 2025، مقارنة بنحو 67.6% في العام السابق.
حالة عدم اليقين
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي د. نائل موسى أن ضخ الأموال الحكومية في الاقتصاد الإسرائيلي يجب ألا يُقرأ باعتباره دليلًا على تعافي القطاع الخاص.
ويقول لصحيفة "فلسطين": تستطيع حكومة الاحتلال في ظروف الحرب أن تزيد الإنفاق وتوجه موارد ضخمة إلى الجيش والبنية التحتية والتعويضات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القطاع الخاص أصبح أكثر ثقة.
ويضيف أن المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال ينظرون إلى ما ستؤول إليه الخريطة السياسية في الاحتلال، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، ويخشون من استمرار صعود القوى اليمينية المتطرفة أو وصول شخصيات أكثر تشددًا إلى مواقع صنع القرار.
ويشير إلى أن استمرار الاتجاه السياسي، في ظل وجود شخصيات مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، قد يزيد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل السياسة الاقتصادية والعلاقات الخارجية والإنفاق الحكومي، وهو ما قد يجعل البيئة الاستثمارية أكثر تعقيدًا.
ويؤكد موسى أن المستثمر الخاص لا ينظر فقط إلى حجم الأموال التي تضخها الحكومة، بل يسأل عن استقرار البيئة السياسية والأمنية، ومستوى الدين، والضرائب المستقبلية، وسوق العمل، وإمكانية استمرار الحرب أو اتساعها إلى جبهات أخرى.
أما على المستوى الإعلامي، فيرى موسى أن قراءة الاقتصاد الإسرائيلي من خلال ما تنشره بعض وسائل الإعلام العبرية وحدها قد لا تعكس الصورة الكاملة، خصوصًا في ظل القيود التي فرضتها الرقابة العسكرية خلال الحرب.

