منذ اليوم الأول لحرب الإبادة لم يغادر الميدان، وبقي على رأسه عمله، تعرض للاستهداف والإصابة مرتين، لكنه لم يترك واجبه في إسعاف المصابين وانتشال الشهداء، حفر بيديه وبأدواتٍ بدائية الردم والركام ولبى برفقة زملائه من طواقم الدفاع المدني نداءات الاستغاثة التي تشققت من بين طبقات المباني المدمرة لحظة الاستهداف محاولاً إسعاف المصابين، وواجه ظروف عمل صعبة واستهدافات متلاحقة، ولم يتوفر لديهم سوى الإرادة والعزيمة التي تحلوا بها، لكنهم لم يتركوا مناشدة واحدة دون تلبية للنداء.
يعمل حسن جبر (42 سنة) رئيسًا لقسم الإسعاف في جهاز الدفاع المدني بالمحافظة الوسطى، وعمل سائق إسعاف قبل ذلك. يحكي لصحيفة "فلسطين" عن تجربة صعبة عاشها خلال الحرب خلدت واحدة من أصعب تجارب العمل الإنساني والصمود في وجه إبادة مسحت أحياء ومدنًا كاملة في قطاع غزة، قائلاً: "بقيت على رأس عملي منذ اليوم الأول، وواجهنا صعوبات عديدة، ومواقف بقيت محفورة في الذاكرة ولن ننساها لأحداث عشناها في الميدان وبقيت ملتصقة في الذاكرة".
كان استهداف البيوت على رؤوس ساكنيها أصعب ما مر به وأكثر شيء كان يمثل تحديًا لعمل الطواقم، مضيفًا: "فكانت مهمتنا صعبة بإمكانيات محدودة أمام طبقات خرسانية مهدمة فوق بعضها، ويوجد عالقون أسفلها، ناهيك بالسيارات المتهالكة والإمكانيات الضعيفة فكنا نسلك طرقًا أغلبها وعرة ومليئة بالردم، وتكون مناطق خطرة نتيجة وجود قوات الاحتلال بالقرب منها.
تقفز أمامه مشاهد لم تغادر ذاكرته: "مشاهد الأشلاء للشباب وكبار السن والأطفال لا يمكن أن أنساها، أذكر يوم انتهاء الهدنة الأولى للحرب، وكانت هناك مهمة في مخيم المغازي وأخرى بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لعمارة لعائلة الحمارنة بالقرب منه كانت تسكن عائلتي وكانوا موجودين في المكان؛ وعلى أثر القصف استشهد أخي واثنان من أبناء العائلة، كان موقفا صعبا وصادما في نفس الوقت".
الناجية الوحيدة
من أكثر المواقف الدامية التي يستحضرها جبر، كان عندما قصف جيش الاحتلال مصنع اللبن في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، وكان بداخله قرابة 40 مواطنًا، وقد سوّى القصف المكان بالأرض.
بعد ساعات من العمل لم يتمكن الطاقم من إخراج أي فرد بعد استشهاد الجميع، وبدا المكان صامتا من أي حياة أو صوت سوى صوت طفلة حيّة تدعى عائشة مالك دلول (10 أعوام) لا يزال يحتفظ باسمها جيدًا وملامحها وصوتها الذي يطرق أبوابه ذاكرته وهي تناديه: "طلعني يا عمو". كانت تئن من الوجع، وهي الناجية الوحيدة من المجزرة.
يقول: "قالت لي إنه قبل الاستهداف بنصف ساعة قام الجميع بكتابة أسمائهم وأعمارهم على أيديهم اليمنى واليسرى، وذكرت لي من كان بالغرفة ومن كان بالصالة وكانت تحدد أسماء وأماكن وجود كل شخص وكل شيء بالتفصيل".
في إحدى مهام العمل كان جبر ضمن طاقم إسعاف وإنقاذ كان قد خرج لانتشال شهداء ومصابين من منزل تعرض للقصف، وفي أثناء عملهم وعلى الرغم من أن الاستهداف وقع في وضح النهار ولون الإسعاف والدفاع المدني واضح، إلا أن ذلك لم يمنع الاحتلال من تكرار استهداف المكان في أثناء وجود طواقم الدفاع المدني فأصيب جميع أفراد الطاقم.
يروي: "أصبت بشظايا بالكتف وأعلى القلب وأصبت بقدمي اليمنى، كان القصف في محيطنا ووقع أكثر من استهداف، وكنا نبحث عن المصابين والشهداء الذين نريد نقلهم لسيارات الإسعاف إلا أننا استهدفنا ونقلنا بنفس السيارات مع المصابين".
ومن المواقف الأليمة في ذاكرة جبر، عندما كانوا يذهبون لانتشال عالقين تحت الركام، فبالرغم من ضعف الإمكانيات كانوا يحاولون بشتى الطرق شق طريق بين الركام وإحداث فتحات في السقف للوصول إلى العالقين أسفل الركام، يذكر أن إحدى الإصابات ظلت عالقة لست ساعات، في حين كانت تعمل الطواقم على الوصول إليها لكن لقلة الأكسجين اختنقت واستشهدت قبل أن تصل الطواقم إليها".
صنعت هذه التجارب والمواقف شخصية المسعف جبر، ويقول بنبرة مليئة بالاعتزاز الممزوج بالقهر: "علمتني تجربة الإنقاذ أشياء كثيرة؛ وأهمها الشجاعة والعمل بروح التضحية والفداء، فهكذا كنا نعمل ونقدم خدماتنا ونسعى لخدمة الناس ونحاول إنقاذ المصابين ونقلهم لأقرب مشفى للحفاظ على حياتهم. تعاملنا مع محدودية الأدوات، فلو كانت لدينا معدات ثقيلة لاستطعنا إنقاذ الكثير من الأرواح العالقة تحت الركام".
ملاحقة متواصلة
وتابع: "كنا نذهب لمكان مستهدف وكنا نحفر بأيدينا وبالأدوات البدائية، فماذا تفعل أداة حفر بدائية في مبنى مكون من عدة طوابق؟ فضلاً عن أننا عشنا المجاعة وكانت تؤثر في عملنا واستنزفت طاقتها وكنا نذهب للعمل والإسعاف ونحن منهكون ومتعبون، وأحيانا بالكاد نجد نصف رغيف خبز".
ويستذكر هذا الفصل المؤلم الذي عاناه المواطنون في غزة: "أثرت المجاعة في عملي ولم أستطع توفير الطعام والشراب لأهلي، وهذا التفكير كان يشغلني ويشعرنا بالقهر والأسى، وبالرغم من ذلك ثبتنا في الميدان ولم نغادره".
ولم يستهدف الاحتلال رجل الإنقاذ جبر ورفاقه في أماكن الاستهداف فقط، بل استهدف نقطة الدفاع المدني التي يعملون فيها مرتين، الأولى في شهر يونيو/ حزيران 2024، والثانية في شهر ديسمبر/ كانون أول 2025 واستشهد فريق بالكامل إضافة ومعه مدير المركز وأحد المتطوعين، "ولم نجد أي مكان آمن، ولم تحمنا ملابسنا وعملنا الإنساني المكفول بالقوانين الدولية".
وأضاف: "الاحتلال لم يفرق بين سيارات الإطفاء وغيرها من المركبات، فكل شيء عنده مستهدف ما أدى في النهاية نتيجة تكرار القصف إلى استشهاد أكثر من 145 شهيدًا من طواقم الدفاع المدني".
تعرض جبر للإصابة مرة أخرى بعد استهداف جيش الاحتلال لمنزل مجاور لمنزله ونقل مع زوجته وأولاده إلى المستشفى، ونجوا جميعهم من موت محقق بعد تطاير الركام عليهم، ويؤكد أنه لم يشعر بالأمن في ميدان العمل، إذ تعرضت مقار الدفاع المدني وسيارات الإطفاء للقصف، ومع كل غارة يشنها جيش الاحتلال كان جبر قريبًا من الموت.