القدس المحتلة- تتوالى فصول التضييق الإسرائيلي على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، في خطوة تهدد وجود الوكالة الأممية في القدس المحتلة وتثير مخاوف ملايين اللاجئين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها من تداعيات وقف خدماتها وأنشطتها.
وكان آخر هذه الإجراءات اقتحام قوات الاحتلال، الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026، مجمع الأونروا في قلنديا شمال القدس المحتلة، وإخلاءه من الموظفين، قبل رفع العلم الإسرائيلي فوق مبانيه وتوجيه العاملين بعدم العودة إليه.
ويأتي ذلك بعد أشهر من إغلاق مقر الوكالة في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، في إطار إجراءات إسرائيلية تستهدف إنهاء وجود الأونروا في المدينة، تنفيذًا لقوانين أقرها الكنيست وحظرت بموجبها نشاط الوكالة وسحبت منها امتيازات وتسهيلات كانت تتمتع بها.
بداية التصعيد
تعود إحدى أبرز محطات التصعيد إلى يناير/كانون الثاني 2025، عندما أُغلق مقر الأونروا في حي الشيخ جراح، بالتزامن مع دعوات من مستوطنين للاحتفال بالخطوة أمام مقر الوكالة.
وكان نائب رئيس بلدية الاحتلال في القدس أرييه كينغ من أبرز المحرضين على إنهاء وجود الأونروا في المدينة، إذ دعا المستوطنين إلى التجمع أمام مقرها، وعرّف نفسه عبر صفحته على "فيسبوك" بأنه "ناشط ضد الأونروا في القدس منذ سنوات".
ماذا تقول القوانين الإسرائيلية؟
في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أقر الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة قانونين يستهدفان عمل الأونروا، أحدهما يحظر أنشطتها داخل ما تسميه إسرائيل "المناطق الخاضعة لسيادتها"، والآخر يسحب الامتيازات والتسهيلات الممنوحة للوكالة ويمنع أي اتصال رسمي إسرائيلي بها.
وحظي القانون الأول بتأييد 92 عضوًا في الكنيست مقابل معارضة 10 أعضاء، وينص على منع الأونروا من تشغيل أي ممثلية أو تقديم خدمات أو تنفيذ أنشطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة داخل المناطق التي تعتبرها إسرائيل خاضعة لسيادتها.
أما القانون الثاني، فأيده 87 عضوًا مقابل 9 معارضين، وينص على إلغاء الامتيازات والتسهيلات التي حصلت عليها الأونروا بموجب ترتيبات عام 1967، إلى جانب منع السلطات الإسرائيلية من إجراء أي اتصال رسمي مع الوكالة أو الجهات التابعة لها.
من 750 ألف لاجئ إلى نحو 5.9 ملايين
عندما بدأت الأونروا عملها عام 1950، كانت تقدم خدماتها لنحو 750 ألف لاجئ فلسطيني، لكن أعداد اللاجئين المسجلين والمؤهلين للحصول على خدماتها ارتفعت على مدى العقود الماضية إلى نحو 5.9 ملايين لاجئ.
ويعيش أكثر من 100 ألف لاجئ في القدس، فيما يبلغ عدد اللاجئين في الضفة الغربية نحو 850 ألفًا، وفق البيانات الواردة في المادة.
وتشمل خدمات الوكالة قطاعات أساسية، بينها التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية، ما يجعل تقليص حضورها أو إنهاء عملها مصدر قلق مباشر لمئات الآلاف من الفلسطينيين المستفيدين من خدماتها.
من يمول الأونروا؟
تعتمد الأونروا في تمويلها على مساهمات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، إلى جانب حكومات إقليمية والاتحاد الأوروبي، وتشكل هذه المساهمات مجتمعة نحو 92.6% من مواردها المالية، وفق ما توضحه الوكالة على موقعها الإلكتروني.
وتواجه الوكالة في الوقت ذاته تحديات مالية متزايدة، الأمر الذي يزيد من صعوبة استيعاب جميع العاملين في مؤسساتها في حال استمرار الإجراءات الإسرائيلية ضد مقارها وأنشطتها في القدس.
550 موظفًا أمام مستقبل مجهول
ولا تقتصر تداعيات إغلاق مقر الأونروا على اللاجئين المستفيدين من خدماتها، بل تمتد إلى مئات الموظفين الذين يعتمدون على الوكالة مصدرًا لعملهم.
ويعمل نحو 550 موظفًا وموظفة في مكتب الأونروا بالقدس، نصفهم تقريبًا من حملة الهوية الفلسطينية الخضراء الخاصة بالضفة الغربية، وقد مُنعوا منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من الوصول إلى مكاتبهم في القدس، واضطروا إلى أداء أعمالهم من مواقع مختلفة في الضفة الغربية.
ومع إغلاق مقر الوكالة في القدس، يزداد الغموض بشأن مستقبل هؤلاء الموظفين، في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها الأونروا، وسط توقعات بإمكانية نقل عدد محدود منهم إلى مواقع عمل في الضفة، بينما قد يواجه آخرون إنهاء خدماتهم.
ولا يقتصر القلق على العاملين الإداريين، إذ يشمل معلمي مدارس الأونروا والعاملين في القطاع الصحي، بمن فيهم الأطباء والممرضون في عيادة "الزاوية" التابعة للوكالة في البلدة القديمة بالقدس.
ماذا عن مدارس الأونروا وعيادتها؟
يترقب العاملون في القدس تداعيات الإغلاق على المؤسسات التي تقدم خدمات مباشرة للسكان، ولا سيما مدارس الأونروا التي يتلقى فيها نحو 1100 طالب وطالبة تعليمهم.
وتبرز تساؤلات بشأن قدرة المعلمين على الوصول إلى مدارسهم، وما إذا كانت سلطات الاحتلال ستمنعهم من دخول الصفوف الدراسية، فضلًا عن مصير عيادة "الزاوية" وما إذا كانت ستتمكن من مواصلة تقديم خدماتها الطبية.
وتزداد المخاوف من تدخل قوات الاحتلال في عمل العيادة، رغم تمتع مؤسسات الأمم المتحدة بالحصانات والامتيازات التي تكفلها القواعد الدولية، ووجود لافتة على مدخل العيادة تحظر الدخول إليها بالسلاح.
استهداف الأونروا.. أبعد من إغلاق المقر
ويحمل التصعيد الإسرائيلي ضد الأونروا تداعيات تتجاوز إغلاق المكاتب والمقار، إذ يمس مباشرة الخدمات التي تقدمها الوكالة للاجئين الفلسطينيين، ويطرح تساؤلات بشأن مستقبل وجودها في القدس ودورها في خدمة اللاجئين.
وبينما تتواصل الإجراءات الإسرائيلية ضد مؤسسات الوكالة، يبقى اللاجئون والعاملون فيها أمام واقع جديد يهدد بتقليص الخدمات أو توقف بعضها، في وقت تتمسك فيه الأونروا بدورها الأممي في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضيتهم.