يأخذ مستثمرون ومختصون في القطاع الزراعي بغزة على بعض برامج التعافي التي تطرحها مؤسسات محلية في الوقت الراهن، أنها لا تعكس بصورة كافية حجم الواقع والاحتياجات الفعلية التي يواجهها القطاع، مؤكدين أن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على تدخلات محدودة أو مشاريع سريعة الأثر، أو أن يتحول إلى نشاط إعلامي لا يلامس حجم الخسائر والاحتياجات على الأرض.
ويشدد المختصون على أن أي برنامج للتعافي ينبغي أن ينطلق من تشخيص دقيق وشامل للواقع، وأن يقدم استجابة فعلية للاحتياجات الأكثر إلحاحًا، مع وجود خطط واضحة لإعادة تأهيل القطاع واستعادة قدرته على الإنتاج والاستمرار، خصوصًا أن القطاع الزراعي في قطاع غزة يمثل عصبًا أساسيًا للأمن الغذائي وسبل عيش آلاف الأسر، ما يتطلب تضافر مختلف الجهود المحلية والدولية للتعامل مع حجم الأضرار التي لحقت به.
وتسببت حرب الإبادة بتجريف آلاف الدونمات الزراعية وتدمير مئات البيوت البلاستيكية وشبكات الري، إلى جانب نفوق آلاف رؤوس المواشي والدواجن بسبب نقص الأعلاف والأدوية. وتشير التقديرات الأولية إلى أن المزارعين فقدوا أكثر من نصف إنتاجهم السنوي، في حين تعرّضت الثروة الحيوانية لانهيار شبه كامل، ما أدّى إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر.
كارثة غير مسبوقة
يقول الخبير في قطاع الثروة الحيوانية، د. زكريا الكفارنة، إن قطاع الثروة الحيوانية يواجه كارثة غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن مختلف مكونات القطاع، بما في ذلك الأبقار والدواجن والماعز والأغنام، تعرضت لدمار واسع.
د. زكريا الكفارنة
ويرى الكفارنة في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن برامج التعافي التي تطرحها المؤسسات المحلية والدولية لا تزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية للقطاع، مؤكدًا أن أي برنامج تعافٍ، حتى وإن كان قصير الأجل، يجب أن يوفر الحد الأدنى من التمويل اللازم لإعادة تشغيل القطاعات المتضررة.
ويوضح أن قطاع الدواجن يحتاج، وفق تقديره، إلى ما لا يقل عن 3 ملايين دولار ضمن أي برنامج تعافٍ قصير الأجل، في حين يحتاج قطاع الأبقار إلى ما بين 6 و8 ملايين دولار، وتقدر احتياجات قطاع الأغنام والماعز بنحو 40 مليون دولار.
ويؤكد الكفارنة أن هذه الاحتياجات لا تقتصر على التمويل المباشر، وإنما تشمل توفير لوازم الإنتاج، ودعم المربين، وإصلاح وتأهيل الحظائر والمنشآت المتضررة، إلى جانب توفير الاحتياجات الأساسية التي تتيح للقطاع استعادة نشاطه والعودة التدريجية إلى الإنتاج.
وشدد على ضرورة تكاتف مختلف الجهود المحلية والدولية وتوحيد التدخلات والبرامج، بما يضمن توفير استجابة حقيقية تناسب حجم الأضرار والاحتياجات، وعدم الاكتفاء ببرامج محدودة الأثر لا تعكس الواقع الملموس الذي يعيشه القطاع على الأرض.
العائق الأساسي
من جهته، يؤكد رجل الأعمال وصاحب إحدى شركات دواجن، عدنان الفليت، أن استمرار الحرب وعدم انتهائها يشكلان العائق الأساسي والأكبر أمام تنفيذ أيٍّ من مشاريع وإعادة إعمار القطاع الإنتاجي والزراعي في غزة.
عدنان الفليت
ويوضح الفليت، لصحيفة "فلسطين"، أن كافة الخطط والبرامج التي أعدتها المؤسسات الدولية واللجان الإدارية بشأن "التعافي الاقتصادي" لا تزال مجرد "حبر على ورق" ولم يُطبق منها شيء على أرض الواقع حتى اللحظة.
ويشير إلى أن الجهود الحالية تقتصر على عقد ورش عمل واجتماعات مع ممثلي القطاعات المختلفة (كالزارعين وأصحاب المصانع) لجمع البيانات واستكمال الدراسات وتحديد الاحتياجات المالية، دون تقديم أي تمويل فعلي أو البدء بتنفيذ أي برنامج على الأرض.
وفيما يتعلق بحجم الأضرار التي لحقت باستثماراته الخاصة، كشف الفليت عن تدمير كامل لمزارعه الحديثة المخصصة لتربية الدواجن، والتي كانت مجهزة بأحدث التقنيات التكنولوجية في هذا المجال.
ويضيف: "كانت لدي مزرعة قائمة وأخرى في طور الإعداد النهائي، وقد أُتلفتا بالكامل لكونهما تقعان في (المنطقة الصفراء) التي يتعذر الوصول إليها حتى الآن". وقدر الفليت خسائره المباشرة في المزرعتين بنحو 320 ألف دولار، ليتجاوز إجمالي خسائره 400 ألف دولار بعد احتساب دمار مبنى الشركة، والمعدات، والمواد الخام المخزنة.
ويشير الفليت إلى أن حجم خسائره يُعد خفيفاً مقارنة بغيره من كبار المستثمرين والمزارعين في القطاع؛ حيث تكبدت شركات ومزارع كبرى خسائر تُقدر بملايين الدولارات نتيجة تدمير سلاسل كاملة من مزارع الدواجن الحديثة.