قال الباحث السياسي من القدس المحتلة إبراهيم ربايعة: إن إخلاء مجمع وكالة أونروا في كفر عقب شمال القدس يمثل حلقة متقدمة في مسار إسرائيلي طويل يستهدف الوكالة الدولية والوجود الأممي في شرقي القدس، ويتجاوز في أبعاده قضية إخلاء منشأة بعينها إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع السياسي والقانوني في المدينة.
وأوضح ربايعة لصحيفة "فلسطين" أمس أن ما يجري يأتي في سياق عملية بدأت منذ أسابيع، بالتزامن مع الاقتحامات الإسرائيلية الواسعة لمخيم قلنديا، حيث برزت نقاشات إسرائيلية بشأن مستقبل معهد قلنديا التابع للأونروا.
وقال ربايعة: "نحن أمام عملية مستمرة منذ أسابيع، وكان الاقتحام الواسع لمخيم قلنديا مرتبطا أيضا بالنقاش حول مستقبل المعهد، الذي أصبح جزءا من مشاريع ونقاشات إسرائيلية أوسع تتعلق بمستقبل هذه المنشأة".
وأضاف أن استهداف المعهد يتحرك ضمن مسارين متوازيين، الأول يتعلق بالمخيمات الفلسطينية والثاني بالأونروا، موضحا: "هناك سياقان أساسيان لفهم ما يجري؛ الأول هو استهداف المخيمات وتفكيك فكرة المخيم بوصفه رمزا سياسيا وقضية مرتبطة باللاجئين، والثاني هو الاستهداف الواضح للأونروا ومحاولة تفكيكها كمشروع حاضن سياسي وقانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين".
وأشار إلى أن استهداف الأونروا ليس تطورا جديدا، بل هو مسار متراكم بدأ منذ سنوات، وقال: "هذا الاستهداف طويل ومتراكم ومستمر، وبدأ منذ الولاية الأولى لدونالد ترامب، عندما بدأ النقاش حول تعريف اللاجئ الفلسطيني وحول ولاية الأونروا، وصولا إلى قطع التمويل عن الوكالة".
وتابع ربايعة: "بعد السابع من أكتوبر عاد هذا الخطاب الإسرائيلي بصورة أكثر حدة، وأصبح الحديث عن الأونروا باعتبارها مؤسسة تشغل (من يزعم الاحتلال أنهم) إرهابيين أو مرتبطة بالإرهاب جزءا أساسيا من الخطاب السياسي الإسرائيلي، وصولا إلى تتويج هذا المسار بتشريعات وقوانين استندت إليها (إسرائيل) في عام 2024 لتجاوز الحصانات والامتيازات التي كانت تتمتع بها الأونروا".
وأكد ربايعة أن ما يجري في القدس لا يمكن فصله عن محاولة (إسرائيل) فرض تعريف جديد للمكان والوجود الفلسطيني فيه، وقال: "الخطاب السياسي الإسرائيلي اليوم يجب أن يفهم باعتباره امتدادا لهذه التراكمات؛ فحين تقول (إسرائيل) إن وجود الأونروا غير قانوني، وإن الأرض أو المنشأة لم تعد تتمتع بالحماية أو الحصانة، فإنها تهيئ الأرضية لتثبيت واقع جديد على الأرض".
وحذر من أن تمر عملية الإخلاء دون ردود فعل دولية حقيقية، قائلا: "السؤال الأخطر هو: إذا مر هذا الحدث دون ردود فعل حقيقية، ونجحت (إسرائيل) في تثبيت هذا الواقع، إلى ماذا يؤسس ذلك؟ هل نحن أمام عملية لمحو الوجود الأممي في شرقي القدس بالكامل؟".
وربط الباحث بين ما يحدث في القدس وما تعرضت له منشآت الأمم المتحدة والأونروا في قطاع غزة والضفة الغربية، قائلا: "لا يمكن النظر إلى القدس بمعزل عن غزة؛ فقد جرى تدمير مساحات واسعة من منشآت الأمم المتحدة في قطاع غزة، واستهدفت منشآت الأونروا ومخازنها وخطوط عملها وعاملوها، بينما تعرضت منشآت الوكالة في شمال الضفة الغربية للتدمير أو تعطيل العمل".
وأضاف ربايعة: "نحن أمام مسار متكامل يجري فيه تعطيل عمل الأونروا، ومنع وصول الكادر الأجنبي، وتعطيل عمل الكادر المحلي، وسحب الحصانات والامتيازات التي كانت تتمتع بها الوكالة، ثم الانتقال اليوم إلى تجفيف وجودها في القدس".
ولفت ربايعة إلى البعد الجغرافي والسياسي لمعهد قلنديا، قائلا: "عندما نتحدث عن معهد قلنديا، فنحن نتحدث عن منشأة تبلغ مساحتها نحو 88 دونما، أي ما يقارب ربع مساحة مخيم قلنديا، وبالتالي فإن السيطرة عليها تعني عمليا زيادة حالة الحشر والضغط على الفلسطينيين داخل المخيم والمناطق المحيطة به".
وأشار إلى أن هناك محاولات إسرائيلية لتقديم السيطرة على المنشأة باعتبارها جزءا من العمل الخدمي لبلدية القدس، وقال: "هناك خطاب مركب يحاول تقديم هذا الإجراء باعتباره عملا خدماتيا ضمن نطاق (ما تسمى) بلدية القدس، لكن ما يجري على الأرض يتجاوز بكثير مسألة الخدمات، لأنه يتعلق بإعادة تعريف المنطقة وإخراجها تدريجيا من سياقها الفلسطيني والأممي".
وختم ربايعة بالقول: "أعتقد أن ما يجري هو إحدى الخطوات الأخيرة لإنهاء وجود الأونروا على مستوى القدس، التي كانت تشكل مركز عمل الوكالة وعاصمة حضورها في الحالة الفلسطينية. وبالتالي فإن استهداف منشآتها في القدس لا يستهدف مبنى أو مؤسسة فقط، بل يستهدف رمزية وجود الأمم المتحدة، وقضية اللاجئين، والمرجعية الدولية المرتبطة بها".
واستولت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس، على مجمع تابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في بلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة، بالتزامن مع اقتحام قوات الاحتلال مخيم قلنديا والبلدة وانتشار أمني وعسكري واسع في المنطقة.

