يبدو أن غزة تبقى خلال الشهرين القادمين عالقة في المساحة التي يريدها نتنياهو: لا حرب تنتهي، ولا اتفاق يكتمل، ولا انسحاب حقيقي، ولا استقرار يسمح للناس باستعادة حياتهم. والسبب لم يعد مرتبطًا فقط بحسابات الحرب، بل بحسابات الانتخابات الإسرائيلية التي يدفع الفلسطينيون ثمنها من دمائهم.
لطالما كان الدم الفلسطيني حاضرًا في صندوق الاقتراع الإسرائيلي.
وفي محطات انتخابية سابقة، تحولت الحروب والاغتيالات والقصف إلى أدوات لإثبات القوة واستمالة الناخب الإسرائيلي.
لكن انتخابات 2026 تبدو مرشحة لأن تكون الأكثر دموية، لأنها تأتي بعد سنوات من حرب إبادة على غزة، وفي مشهد سياسي أصبحت فيه المزايدة على الفلسطيني جزءًا أساسيًا من المنافسة الداخلية.
نتنياهو يعرف أن صورته الانتخابية تقوم على تقديم نفسه بوصفه الرجل الأكثر قدرة على استخدام القوة، ولذلك فإن إنهاء الحرب أو الالتزام الكامل بأي اتفاق يعنيان بالنسبة إليه التخلي عن أهم أوراقه الانتخابية. يحتاج إلى غزة متوترة، وإلى تهديدات متواصلة، وإلى أهداف يعلن عن اغتيالها، وإلى جبهات قابلة للاشتعال، حتى يبقى الأمن والخوف في مقدمة اهتمامات الناخب الإسرائيلي.
المشكلة أن البديل الإسرائيلي لا يقدم، حتى الآن، تحولًا حقيقيًا تجاه الفلسطينيين.
الخلاف بين الائتلاف والمعارضة يدور بدرجة كبيرة حول من يدير الحرب بصورة أفضل، ومن يستطيع استعادة الردع، ومن يحقق أهداف إسرائيل بأقل كلفة سياسية ودولية؛ وليس حول أصل استخدام القوة ضد الفلسطينيين أو ضرورة إنهاء الاحتلال.
من بن غفير وسموتريتش ونتنياهو، وصولًا إلى أطراف واسعة في المعارضة، تتفاوت اللغة والوسائل، لكن مساحة الاتفاق على استخدام القوة تبقى كبيرة. قد يرفض بعضهم تصريحات الإبادة الصريحة أو الدعوات إلى التهجير والتجويع، لكنه لا يقدم بالضرورة رؤية سياسية تعترف بحقوق الفلسطينيين أو تقطع مع منطق السيطرة العسكرية.
بهذا المعنى، لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية منافسة بين مشروع حرب ومشروع سلام، بل بين درجات مختلفة من التشدد؛ بين من يريد سحق الفلسطيني بلا قيود، ومن يريد فعل ذلك بصورة أكثر انضباطًا وأقل إحراجًا أمام العالم.
وهنا تكمن الخطورة على غزة خلال الأسابيع المقبلة. فكلما اقترب موعد الانتخابات، ارتفع احتمال توظيف التصعيد والاغتيالات والخروقات والمواجهات الإقليمية في المعركة الانتخابية.
الفلسطينيون، وخصوصًا أهل غزة، ليسوا ناخبين في هذه الانتخابات، لكنهم قد يكونون أكثر من يدفع ثمنها. فبينما يُفتح صندوق الاقتراع في إسرائيل، يبدو أنه سيُفتح في غزة سجل جديد من الدماء.