على أحد أسرة العناية المركزة في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، يرقد الطفل فارس فراس أبو كميل، البالغ من العمر نحو ستة أشهر، موصولاً بأجهزة التنفس الاصطناعي، بينما تحيط بجسده الصغير أنابيب التغذية والعلاج، في مشهد تختصر فيه عائلته شهوراً من الألم والخوف والانتظار.
لا تملك والدته آية أبو صلاح، وهي تنظر إلى طفلها البكر، سوى الدعاء بأن يبقى على قيد الحياة، وأن تفتح أمامه أبواب السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، بعدما باتت قدرات المستشفيات المحلية محدودة بفعل الانهيار الذي أصاب المنظومة الصحية خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة.
وُلد "فارس" قبل نحو ستة أشهر، في الشهر السادس من الحمل - ولادة مبكرة- ومنذ ساعاته الأولى واجه صعوبة شديدة في التنفس، وظهر الازرقاق على وجهه، ما استدعى إدخاله إلى الحضانة الطبية ومتابعة حالته بصورة متواصلة.
وتقول والدته لصحيفة "فلسطين": إن طفلها أمضى في المستشفيات وقتًا يفوق ما قضاه بين ذراعي والديه، إذ بقي في الحضانة قرابة شهرين، قبل أن يخضع لسلسلة من الفحوصات الطبية وصور الأشعة، بينها تصوير للقلب وتخطيط "الإيكو" وفحوص مخبرية أخرى، تحت إشراف أطباء مختصين.
وتضيف الأم بحزن: أن الفحوصات أظهرت معاناته من ضيق في أحد صمامات القلب، وضعف في عضلة القلب، وتضخم في البطين الأيسر، إلى جانب مشكلات صحية أخرى رافقته منذ ولادته.
وتقول والدة "أية" وهي جدة الطفل، التي تقف إلى جانبها بالمستشفى: إن الحمل والولادة جريا في ظل الحرب، حيث تعرضت الأم خلال فترة الحمل لأجواء القصف المتواصل، واستنشقت الغبار والأدخنة والروائح المنبعثة من القصف والدمار، وهي عوامل انعكست على حملها وصحة جنينها.
ومنذ ولادته، لم يتوقف "فارس" عن البكاء والمعاناة، فيما كانت حالته الصحية تتطلب متابعة متخصصة وعلاجًا غير متوفر بالقدر الكافي داخل القطاع، الذي يعاني من نقص حاد في الإمكانات الطبية والأدوية والمعدات والأطباء المتخصصين.
تحويلة طبية
وتكمل الأم، وعلامات القلق والحزن تبدو على وجهها، إنها تخشى أن يفقد طفلها حياته في أي لحظة، خصوصًا بعدما تدهورت حالته الصحية خلال الأيام الأخيرة، مؤكدة أن كل ما تريده هو منحه فرصة للعلاج قبل فوات الأوان.
وتردف: أن العائلة حصلت منذ أشهر على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، لكنها لا تزال تنتظر السماح له بالسفر، في وقت تتدهور فيه حالته الصحية يومًا بعد آخر.
وتمضى بالقول: "إن الانتظار بات أكثر قسوة من المرض نفسه"، فهي ترى طفلها أمامها موصولاً بالأجهزة الطبية، بينما لا تستطيع نقله إلى مركز متخصص يمكنه توفير العلاج الذي يحتاج إليه، متسائلة عن المدة التي يستطيع جسده الصغير تحملها.
ويشير الأب فراس أبو كميل، إلى أن حالة نجله تدهورت بصورة مفاجئة الخميس الماضي، عندما اشتد عليه الألم والبكاء وبدأ بالصراخ خلال وجود والدته في منزل أقاربهم النازحين بمخيم البريج وسط القطاع.
ويقول أبو كميل لصحيفة "فلسطين": إن الأسرة سارعت إلى نقله إلى مركز العودة الصحي، قبل أن يقرر الأطباء تحويله إلى مستشفى شهداء الأقصى، بعد تراجع مستوى الأكسجين في جسمه، حيث أدخل إلى قسم العناية المركزة بسبب خطورة وضعه الصحي.
ويضيف الأب: إن نجله يعتمد حاليًا على أجهزة التنفس الاصطناعي، وإن رفعها عنه قد يعرض حياته للخطر، الأمر الذي ضاعف مخاوف الأسرة، ودفعها إلى تجديد مناشدتها للجهات الصحية والإنسانية التدخل العاجل لتأمين سفره.
وتناشد العائلة الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية والطبية العمل بصورة عاجلة على تسهيل سفر "فارس" إلى خارج القطاع، وتمكينه من الوصول إلى مستشفى متخصص قادر على التعامل مع حالته، قبل أن يؤدي التأخير إلى تدهور لا يمكن تداركه.
وتأتي معاناة "فارس" في وقت يواجه فيه القطاع الصحي في غزة، واحدة من أصعب مراحله، بعدما تعرضت المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية لأضرار بالغة خلال الحرب، بالتزامن مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود والكوادر المتخصصة، ما قلص قدرة الأطباء على التعامل مع الحالات المعقدة.
سلسلة مخاطر
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الإصابات الناتجة مباشرة عن القصف، إذ باتت النساء الحوامل والأجنة عرضة لسلسلة من المخاطر المرتبطة بالنزوح وسوء التغذية والضغط النفسي والتعرض للغبار والدخان والملوثات الناتجة عن القصف والدمار، فضلاً عن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية اللازمة خلال الحمل.
وأشارت بيانات صحية في غزة، إلى ارتفاع حاد في معدلات الإجهاض خلال سنوات الحرب، بالتزامن مع تراجع أعداد المواليد وارتفاع معدلات فقر الدم بين النساء الحوامل، وهي مؤشرات تعكس حجم الأزمة التي تواجهها الأمهات والأجنة في القطاع.
وبحسب تقرير خاص لوزارة الصحة في غزة، بلغ معدل حالات الإجهاض 460 حالة لكل ألف مولود في أبريل/نيسان 2026، مقارنة بنحو 140 حالة لكل ألف مولود حي قبل الحرب، في مؤشر على التدهور الكبير في الظروف الصحية والإنسانية المحيطة بالحمل والولادة.
كما أشار التقرير إلى أن متوسط معدل فقر الدم بين النساء الحوامل بلغ 57%، وهو ما يعكس، وفق التقرير، تدهور الأمن الغذائي ونقص العناصر الغذائية الأساسية التي تحتاجها المرأة خلال فترة الحمل.
وفي الوقت نفسه، سجلت أعداد المواليد تراجعًا كبيرًا، إذ انخفض عدد المواليد من 6076 مولودًا في نوفمبر/ تشرين الثاني إلى 2004 مواليد في أبريل/ نيسان 2026، بنسبة تراجع بلغت 67%.
وبينما تحاول عائلة الطفل أبو كميل، تفسير ما حدث لطفلها، فإنها تؤكد أن حمله وولادته جريا في ظروف استثنائية فرضتها الحرب، وأن الأم تعرضت خلال حملها للغبار والدخان وروائح البارود والقصف، إلى جانب الخوف والنزوح والظروف المعيشية والصحية القاسية.
وتبحث الأسرة اليوم عن فرصة لإنقاذ طفلها من الموت، فـ"فارس" الذي لم يعرف من الحياة سوى غرف الحضانات والمستشفيات، يرقد الآن بين أجهزة التنفس والعناية المركزة، بينما تترقب أسرته خبرًا يسمح له بالسفر للعلاج، وتخشى أن يتحول الانتظار الطويل إلى مأساة جديدة تضاف إلى سجل المرضى الذين حاصرتهم الحرب حتى داخل المستشفيات.
وتجدد العائلة عبر صحيفة "فلسطين" مناشدتها بالسماح العاجل لـ"فارس" بالسفر إلى الخارج، مؤكدة أن حالته لا تحتمل مزيدًا من التأجيل، وأن تدمير جزء كبير من قدرات المنظومة الطبية في غزة جعل توفير العلاج التخصصي له داخل القطاع أمرًا بالغ الصعوبة.
وبين صوت الأجهزة الطبية المحيطة بسريره، وبكاء أمه التي لا تفارقه، يبقى أمل العائلة معلقًا على قرار يسمح لطفلها بمغادرة القطاع، وتلقي العلاج الذي قد يمنحه فرصة للحياة، قبل أن يصبح التأخير سببًا في فقدانه

