ورقة معلقة في خيط تحلق في السماء، يلهو بها الأطفال بصفتها أحد مظاهر الحياة، يعدها الاحتلال تهديدا يستدعي ردا عسكريا باستهداف المناطق التي تطلق منها هذه الألعاب، في قضية تكشف عن عقلية وإفلاس إسرائيلي جديد.
وبفعل منع الاحتلال دخول ألعاب الأطفال لقطاع غزة منذ ثلاث سنوات، مثلت الطائرات الورقية التي تتكون من أخشاب رفيعة، وورق ملون يرسم به الأطفال شكلا آخر للفرح، وغالبا ما يرسم الأطفال بالخيط الذي يربط بين الأخشاب رسوما على شكل النجمة، أو العين، أو علم فلسطين أو شعار سيارة مرسيدس، ولهذه اللعبة ميزان من الخيط وذيل من الورق كي يحافظ على ثباتها في الهواء.
وعندما ترتفع الطائرة الورقية لعشرات الأمتار في السماء يبقى الطفل ممسكا بطرف الخيط المربوط بقطعة أخشاب صغيرة بيده، وبينما يتلاعب الهواء في الطائرة التي تحلق يخرج الطفل من أجواء الحرب والإبادة طوال فترة اللهو، وبفعل قوة الريح وضعف متانة الخيوط المستخدمة في ربط الطائرات الورقية بسبب منع الاحتلال إدخال الخيوط السميكة ينقطع الحبل وقد تصل تلك الألعاب للمستوطنات المحاذية لغزة.
وبالرغم من اعتياد سكان القطاع على خلق الاحتلال ذرائع وتلفيقات لتبرير الاستهداف، فإنهم لم يتوقعوا أن يصل انحدار قادة الاحتلال ومسؤوليه كرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس إلى مستوى ملاحقة لعبة أطفال، ومحاولة عسكرتها واستخدامها مبررا للاستهداف.
وتشارك وسائل الإعلام العبرية في عملية تضخيم مسألة الطائرات الورقية واعتبارها تهديدا، فنشرت "القناة 12" صورة لطائرة ورقية معلقة على شجرة وصلت لكيبتوس ناحال عوز، وصورة أخرى لطائرة ورقية سقطت على أرض "ريعيم".

وفي تهديده قال وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس: "إنه أوعز مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لجيش الاحتلال اتباع سياسة صفر احتواء وصفر تسامح، تجاه إطلاق الطائرات الورقية من غزة"، مهددا، أنه في حال استمرت ستتخذ إجراءات قوية لوضع حد لهذه الظاهرة، وأن حكم الطائرة الورقية كحكم الطائرة المسيرة.
وتداول ناشطون في غزة فيديو لطفل يقوم بتكسير طائرات ورقية كان يلهو بها، في حين يبكي متحسرا: "بدهم يحرموني من الشغلة اللي بحبها". أما بعض الناشطين فحولوا الموضوع لقضية للسخرية من تهديدات الاحتلال للعبة أطفال، ونشروا تعميمات افتراضية من المتحدث باسم جيش الاحتلال يعلن استهداف مناطق نتيجة إطلاق طائرات ورقية.
وترى سهام طلبة في التهديد، سخافة لا غاية منها، وأن الاحتلال يشن حربه بكل وسائله على جميع فئات الشعب الفلسطيني، بإصدار هذا القرار ضد الأطفال وألعابهم البسيطة التي يحاولون من خلالها التفريغ عن أنفسهم.
وسيلة للعب
وقالت طلبة لصحيفة "فلسطين": "مع انقطاع ومنع الاحتلال إدخال الألعاب الخاصة بالأطفال يحاول أطفال غزة اختراع وصنع ألعاب يدوية، وتمثل الطائرات الورقية أهم هذه الألعاب، إذ يقضي الطفل وقتا طويلا في إعدادها، ثم يربطها بالخيط ويطيرها في السماء فيشعر كأنه حر طليق يرفرف خارج هذه المعاناة التي تحاصره من كل اتجاه".

في حين ذكرت القضية مهند سامي بطفلته حلا التي استشهدت في رابع أيام الإبادة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وكانت بعمر تسع سنوات، إذ نشر صورة على صفحته على فيسبوك وهي تحمل طائرة ورقية وقال: "ابنتي استشهدت قبل أن يمنعها الاحتلال من اللعب بالطائرة الورقية".
وقال سامي لصحيفة "فلسطين": "استشهدت ابنتي مع أمها وكنت قد ذهبت خارج البيت لصلاة العصر بالمسجد مع ابني أحمد، وكانت طفلتي تعيش مثل بقية الأطفال وتحب الخروج للبحر وإطلاق الطائرات الورقية واللعب بها، وكانت تحب رسم علم فلسطين عليها، لكن الاحتلال قتل طفلتي حلا وهو يستمر بقتل الأطفال ويمنع هذه الوسيلة الجميلة للفرح".
ذريعة للاعتداء
أما محمد شلدان فيسكن في مخيم "دار السلام" الواقع على مقربة من الخط الأصفر، ويعايش من كثب كيف يلهو بعض أطفال المخيم بهذه اللعبة الوحيدة، التي يواجهون صعوبة كبيرة في إيجاد بوص النخيل اللازم لصناعة الطائرة الورقية أو حتى الخيوط اللازمة لاستعمالها.
ويقول شلدان لصحيفة "فلسطين": إن" الاحتلال يستخدم سياسة استكمال واستمرار الحرب بطرق أخرى. اليوم الأطفال ليس لديهم أي وسيلة أخرى للعب، الطائرة الورقية مجرد لعبة تطلق في الهواء، وأي إنسان عاقل يعرف أنها لا تمثل شيئا".
وأضاف أن الطائرات وسيلة ترفيهية موجودة في كل مكان ويلهو الأطفال بها على شاطئ البحر وفي داخل المدن أو على الأطراف، والاحتلال باستهدافها يريد قتل كل شيء حتى الفرحة ويستغل كل شيء لمنع أي متنفس لغزة وللتنكيل بأبناء الشعب الفلسطيني".
وعن تعامل أطفال المخيم مع التهديدات، لفت إلى أن الأطفال أبرياء ولا يفهمون هذه اللغة فقط يهتمون باللعب وهذا تفكيرهم وهذه عقليتهم التي لم تصل لمستوى تفكير قادة الاحتلال السياسيين الذين يخططون لقتل هؤلاء الأطفال.

