منذ التحاقه بجهاز الدفاع المدني بين عامي 2007 و2008، اعتاد سفيان أحمد، أن يواجه الخطر بحثًا عن حياة يمكن إنقاذها. لكن سنوات عمله الطويلة في الإسعاف والطوارئ لم تهيئه لما عاشه في حرب الإبادة على قطاع غزة؛ مشاهد القتل والدمار، أطفال تحت الأنقاض، عائلات محاصرة، وفرق إنقاذ تعمل بأيدٍ عارية وسط القصف.
نزح سفيان، الذي كان يسكن مدينة رفح جنوبي القطاع، إلى منطقة الزوايدة في المنطقة الوسطى، لكنه لم ينزح عن مهنته. ظل يعمل في صفوف الدفاع المدني، مدفوعًا بالإيمان بأهمية إنقاذ الأرواح، حتى في أكثر الظروف خطورة.
يقول لصحيفة "فلسطين": إن "العمل خلال الحرب كان مزيجًا من الألم والإنسانية، عندما تنقذ روحًا، تشعر بفرحة تمنحك قوة جديدة للاستمرار"، لكن تلك الفرحة كانت غالبًا تأتي بعد مواجهة مشاهد لا تغادر الذاكرة".
من ذاكرة الحرب
من بين أكثر المشاهد قسوة، يتذكر قصفًا استهدف عائلة الفرا في منطقة يبنا برفح. وصل عناصر الإنقاذ إلى المكان ليجدوا أفراد العائلة وقد تحولوا إلى أشلاء، بينما بقي طفل صغير، لا يتجاوز عمره ثلاثة أعوام على قيد الحياة، لكنه كان قد فقد ساقيه.
لم يكن ذلك المشهد استثناءً؛ ففي إحدى المهام تلقى الفريق بلاغًا عن وجود أكثر من 30 شخصًا محاصرين داخل منزل في منطقة عزبة الندى قرب البحر. كانوا أربعة رجال مصابين، فيما كانت بقية المجموعة من النساء والأطفال.
عندما وصل رجال الدفاع المدني، وجدوا سيارة إسعاف تابعة لوزارة الصحة قد استُهدفت، فيما كانت الآليات والدبابات على بعد نحو 100 متر، والطائرات المسيّرة تحلق في السماء. وفي ظل هذا الخطر، قرر الفريق الدخول ومحاولة إخلاء المحاصرين تحت الركام.
حتى عندما أصابت قذيفة المنزل المقابل وأصيب بعض أفراد الطاقم، لم يتراجعوا. كانت سيارة إسعاف واحدة هي الوسيلة المتاحة لنقل أكثر من 30 شخصًا، فبدأت عملية الإخلاء وسط الخوف والقصف.
يقول سفيان: إن "نقص المعدات كان أحد أكبر التحديات، ففي كثير من المواقع كان رجال الإنقاذ يبحثون تحت الركام بأيديهم وبأدوات بدائية، بينما لم يكن يتوفر سوى حفار واحد في مدينة رفح في بعض الفترات. وكانت المنازل تتعرض للقصف الاسرائيلي البربري تباعًا، بفواصل زمنية لا تتجاوز دقائق، ما يجعل الوصول إلى الضحايا سباقًا مع الموت".
عجز في المعدات
وفي إحدى المرات، واصل فريق الإنقاذ العمل في منطقة بلوك "O" لإخلاء عائلة أبو هلال، رغم ورود معلومات عن احتمال تعرض المكان لقصف جديد.
لكن بعض المشاهد لا ترتبط فقط بصعوبة المهمة، بل بالعجز عن إنقاذ إنسان أمام أعين ذويه.
يتذكر سفيان توغل قوات جيش الاحتلال في منطقة الساحل قرب مسجد معاوية على ساحل بحر رفح، حيث كانت أسرتان تقيمان داخل خيمتين. حاول أفراد العائلتين الفرار بسيارة، لكن طائرة مسيّرة من نوع "كواد كابتر" رصدتهم.
ألقت المسيّرة قنبلة على سائق السيارة فأصابته، وحين حاول الخروج، ألقت قنبلة حارقة فاشتعلت المركبة، وامتدت النيران إلى جسده. كانت والدته تقف على بعد أمتار قليلة منه، تناديه وتطلب منه الاقتراب حتى تطفئ النار عنه، لكنه لم يكن قادرًا على الحركة.
من بعيد، كان سفيان وزملاؤه يراقبون المشهد من دون القدرة على الاقتراب بسبب وجود جيش الاحتلال. وبعد انسحابها، وجدوا الرجل قد تفحم بالكامل. احتضنت والدته ما تبقى من حذائه وأخذت تقبله، في مشهد يصفه سفيان بأنه من أكثر اللحظات إيلامًا التي عاشها خلال الحرب.
وعاش الرجل أيضًا لحظات عجز أخرى، ففي جولة استكشافية دون تنسيق مسبق، دخل فريقه منطقة حظر بعد ورود أنباء عن استهدافها. عثروا على عدد من الشهداء، ثم اكتشفوا فتاة شابة ما زالت حيّة تحت أنقاض مبنى منهار، وقد حُوصر الجزء السفلي من جسدها تحت كتل خرسانية.
حاولوا استخراجها بالمطارق والأدوات اليدوية، لكن غياب المعدات الثقيلة وخطورة الموقع حالا دون رفع الركام. بقيت الفتاة تلفظ أنفاسها الأخيرة أمامهم حتى فارقت الحياة، بينما ظلوا عاجزين عن الوصول إليها.
ومع ذلك، لا يتذكر سفيان الحرب باعتبار أنها تفوقت على إمكاناتهم، ففي إحدى عمليات الإنقاذ داخل بدروم أسفل منزل مهدوم في منطقة الشاليهات غرب رفح، وجد الفريق مصابين ينزفون بشدة، بينهم أشخاص تعرضوا للبتر. دخلوا سريعًا، وقدموا الإسعافات الأولية وسيطروا على النزيف قبل إخراجهم.
لاحقًا، التقى سفيان أحد الناجين في المستشفى، تعرف عليه المصاب وشكره على ما فعله الفريق.
بالنسبة لسفيان، كانت تلك اللحظة دليلاً على أن دقائق قليلة قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.
فرق الإنقاذ تحت النيران
لكن الخطر لم يكن بعيدًا عن عناصر الإنقاذ أنفسهم، إذ إنه يتذكر مهمة مع طواقم الهلال الأحمر في منطقة أبو السعيد برفح لنقل حالة حرجة، حين خرجت سيارتا إسعاف قبل استكمال التنسيق بسبب خطورة الوضع، وقد تعرضت إحدى السيارتين لقصف مباشر، واستشهد اثنان من زملائه.
وفي حادثة أخرى، كان من المفترض أن يشارك سفيان في مهمة استُهدفت خلالها طواقم من الدفاع المدني والهلال الأحمر، لكن زميلاً أخذ نوبته بدلاً منه، ليستشهد مع بقية أفراد الطاقم في مجزرة إسرائيلية مروعة.
يقول: إن مشاهد الأطفال تحت الأنقاض كانت الأكثر تأثيرًا في نفوس رجال الدفاع المدني. "كنا نتخيل أبناءنا في تلك المواقف"، لكن التوقف لم يكن خيارًا. فكلما انتهت مهمة، كان بلاغ آخر ينتظرهم.
وبعد نحو 23 عامًا من العمل في الدفاع المدني والإسعاف والطوارئ، يقول سفيان: إنه لم يشهد حربًا بربرية بهذه القسوة ولا هذا العدد من مشاهد القتل والدمار. ومع ذلك، بقي الدافع نفسه: إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح.
يؤكد أن رجال الدفاع المدني في غزة يعملون اليوم في ظروف قاسية، وسط نقصٍ حاد في المعدات والآليات، ومن دون رواتب، ويعتمدون في كثير من الأحيان على جهودهم اليدوية وأدوات بسيطة لاستخراج الأحياء والضحايا من تحت الأنقاض.
"أي كلام لن يوفي رجال الإنقاذ حقهم"، يقول سفيان، مشيرًا إلى زملاء فقدوا حياتهم وهم يحاولون إنقاذ الآخرين.
أما هو، فيحمد الله على بقائه حيًا، ويرى أن حرب الإبادة، رغم كل ما حملته من ألم، زادته تمسكًا بمهنته، وهو يدرك جيدًا أن العمل في الدفاع المدني ليس مجرد وظيفة، بل مهنة إنسانية تتجاوز الدين والجنس واللون، وتضع إنقاذ الإنسان في مقدمة كل شيء.

