فلسطين أون لاين

مشروع E1.. هل يتحول الاستيطان إلى بوابة لعقوبات اقتصادية على الاحتلال؟

...
مشروع E1 يعزز التواصل الجغرافي بين الكتل الاستيطانية ويفصل جنوب الضفة الغربية عن شمالها
الناصرة-غزة/ رامي رمانة:

لا تبدو تداعيات طرح حكومة الاحتلال مناقصة لمشروع الاستيطان "E1" محصورة في الجانب السياسي والدبلوماسي، إذ بدأت الخطوة تفتح نقاشاً بشأن احتمال انتقال بريطانيا من الإدانة السياسية إلى استخدام أدوات اقتصادية ضد الجهات المرتبطة بالتوسع الاستيطاني، في وقت تزداد فيه الضغوط الأوروبية على الاحتلال بسبب المشروع.

وبالنسبة لـ(إسرائيل) تكمن أهمية مشروع E1 في موقعه الجغرافي، إذ يقع في المنطقة الواقعة شرق القدس المحتلة وبينها وبين مستوطنة معاليه أدوميم، بينما يُنظر إليه دوليا باعتباره جزءاً حساساً من خطط التوسع الاستيطاني.

ويخشى الفلسطينيون من أن يؤدي تنفيذ المشروع إلى تعزيز التواصل الجغرافي بين الكتل الاستيطانية وفصل أجزاء من الضفة الغربية، بما يترك تأثيراً مباشراً على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. ولهذا السبب لا يُنظر إلى المشروع باعتباره مشروعاً استيطانيا فقط، بل باعتباره خطوة ذات أبعاد سياسية وجغرافية تتجاوز مساحة البناء نفسها.

ويرى خبراء في الاقتصاد أن التطور الأخير لا يتعلق فقط بحجم النشاط الاقتصادي المرتبط بمشروع E1 بحد ذاته، وإنما في إمكانية تحوله إلى نقطة انطلاق لعقوبات أوسع، تبدأ باستهداف المستوطنات والشركات والأفراد المرتبطين بها، قبل أن تمتد، إذا استمر التصعيد، إلى مجالات اقتصادية أوسع.

ولا تبدو بريطانيا متجهة في المرحلة الأولى إلى فرض حظر تجاري شامل على الاحتلال، وإنما إلى إجراءات أكثر تحديداً، مثل تجميد أصول أفراد أو كيانات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني، أو فرض قيود على تجارة السلع والخدمات القادمة من المستوطنات، أو منع الشركات البريطانية من المشاركة في مشاريع استيطانية.

وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية خاصة بعدما أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستتخذ إجراءات جديدة رداً على السياسات الإسرائيلية، في حين استدعت لندن القائم بالأعمال الإسرائيلي وطالبت بوقف مشروع E1. كما حذرت بريطانيا وعدد من الدول الغربية الشركات من المشاركة في المناقصات المرتبطة بالمشروع.

ويقول المختص الاقتصادي خالد أبو عامر، في تقدير اقتصادي للموقف، إن الخطر الأكبر على الاحتلال لا يتمثل في خسارة السوق البريطانية وحدها، وإنما في ارتفاع مستوى المخاطر التي ستواجهها الشركات والمستثمرون الذين يتعاملون مع الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات.

وبحسب التقدير، فإن العقوبات إذا صدرت بصورة محدودة لن تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، لكنها قد ترفع كلفة ممارسة الأعمال، وتدفع بعض الشركات الدولية إلى إعادة تقييم استثماراتها، خصوصاً إذا أصبح التعامل مع مشاريع الاستيطان مصدراً لاحتمالات العقوبات أو للمخاطر القانونية والسمعة التجارية.

ويضيف أبو عامر لصحيفة "فلسطين" أن الأسواق لا تنتظر دائماً صدور العقوبات فعلياً؛ فمجرد وجود اتجاه سياسي نحو تشديد القيود يمكن أن يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر، وهو ما قد يظهر في صورة تأجيل استثمارات، أو ارتفاع تكاليف التمويل والتأمين، أو زيادة حذر المؤسسات المالية تجاه الشركات والقطاعات المرتبطة بالمستوطنات.

وبحسب أبو عامر، فإن الاقتصاد الإسرائيلي لن يتلقى ضربة فورية من عقوبات تستهدف المستوطنات، لأن حجم الاقتصاد المرتبط بالمستوطنات لا يمثل الاقتصاد الإسرائيلي بأكمله. لكن المشكلة قد تظهر على المدى المتوسط إذا اتسعت العقوبات لتطال قطاعات أو شركات ذات ارتباط أوسع بالاقتصاد الإسرائيلي.

ويرى أن قطاعات مثل التكنولوجيا والخدمات المالية والاستثمار الأجنبي ستكون أكثر حساسية لأي تحول من العقوبات المحدودة إلى سياسة أوروبية أوسع، لأن هذه القطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على اندماج الاحتلال في الأسواق والمؤسسات العالمية، وعلى سهولة الوصول إلى التمويل والاستثمارات والشراكات الدولية.

التأثير المحتمل

أما الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران، فيرى أن الاختبار الحقيقي للاقتصاد الإسرائيلي لن يكون في بريطانيا وحدها، وإنما في مدى انتقال الموقف البريطاني إلى دول الاتحاد الأوروبي.

ويبيّن الدقران لصحيفة "فلسطين" أن الاقتصاد الإسرائيلي يستطيع استيعاب عقوبات بريطانية محدودة، نظراً لتنوع علاقاته التجارية ومصادر استثماراته، لكن الوضع سيكون مختلفاً إذا تحولت الإجراءات إلى موقف أوروبي منسق، لأن الاتحاد الأوروبي يمثل سوقاً وشريكاً تجارياً بالغ الأهمية للاحتلال.

ويقدر الدقران أن التأثير المحتمل للعقوبات يمكن تقسيمه إلى مرحلتين؛ الأولى مباشرة ومحدودة، وتتمثل في استهداف المستوطنات والجهات التي تشارك في بنائها أو تمويلها، والثانية غير مباشرة، وتتمثل في ارتفاع ما يعرف اقتصادياً بـ«علاوة المخاطر» على الاحتلال، أي ارتفاع الكلفة التي يطلبها المستثمرون والمؤسسات المالية مقابل الاستثمار أو التمويل في بيئة سياسية واقتصادية أكثر تعرضاً للعقوبات.

ويحذر من أن الأثر التراكمي للعقوبات قد يكون أهم من قيمة العقوبات نفسها. فإذا بدأت بريطانيا بإجراءات محددة، ثم اتبعتها دول أوروبية أخرى، فقد تجد الشركات الدولية نفسها أمام سوق أكثر تعقيداً، ما يدفع بعضها إلى الابتعاد عن المشاريع المرتبطة بالمستوطنات حتى في حال عدم تعرضها لعقوبات مباشرة.

وتشير المعطيات السياسية الأخيرة إلى أن هذا السيناريو ليس مستبعداً؛ فقد أدانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا مشروع E1، كما صدرت تحذيرات للشركات بشأن المخاطر القانونية المرتبطة بالمشاركة في المشروع.

ويضع الدقران السيناريو الأكثر أهمية في حال استمرار الاحتلال في تنفيذ مشروع E1 رغم التحذيرات الدولية. ففي هذه الحالة، قد تنتقل الدول الغربية من اعتبار المشروع قضية سياسية إلى التعامل معه باعتباره اختباراً لمدى فعالية الضغوط الدبلوماسية.

ويقول التقدير إن استمرار البناء يمكن أن يخلق مساراً متدرجاً يبدأ بإدانة سياسية، ثم عقوبات على أفراد وكيانات، ثم قيود على تجارة المستوطنات، ثم ضغوط على الشركات المشاركة في مشاريعها، وصولاً إلى إجراءات أوروبية أوسع إذا استمر التصعيد.

وبذلك، فإن أهمية E1 بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي لا ترتبط بقيمة المشروع المالية وحدها، بل بما يمكن أن يمثله من اختبار لحدود العلاقة الاقتصادية بين الاحتلال والدول الغربية. فإذا بقيت الإجراءات محصورة في أفراد وشركات مرتبطة بالاستيطان، قد يكون أثرها الاقتصادي المباشر محدوداً، أما إذا تحولت إلى سياسة أوروبية منسقة، فقد تبدأ آثارها بالظهور في الاستثمار والتمويل والتجارة وثقة الشركات الدولية، وهو ما يجعل ملف الاستيطان، في هذه الحالة، مدخلاً محتملاً لضغوط اقتصادية أوسع.

المصدر / فلسطين أون لاين