أعادت عملية الطعن التي وقعت صباح أمس في قرية العوجا بالأغوار الشمالية، شمال أريحا، إلى الواجهة مخاوف إسرائيلية متصاعدة من اتساع دائرة عمليات المقاومة الشعبية في الضفة الغربية، في وقت تزداد فيه اعتداءات المستوطنين والاقتحامات العسكرية الإسرائيلية، في حين تقترب (إسرائيل) من موعد انتخاباتها المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ويتفق محللان على أن العملية لا يمكن فصلها عن المشهد الأوسع في الضفة الغربية، إذ تتقاطع سياسات الحصار والقيود العسكرية والضغط الاقتصادي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين.
ويحذر المحللان من أن الخلافات داخل دولة الاحتلال لا تتعلق بجوهر الصراع مع الشعب الفلسطيني، بقدر ما تتصل بطريقة إدارة الصراع وأدواته وتوقيتها، وبكيفية منع تحوله إلى أزمة أوسع تضر بصورة (إسرائيل) دوليا أو تفتح جبهات إضافية يصعب على المؤسسة الأمنية للاحتلال السيطرة عليها.
عملية الطعن
وقعت العملية أمس في منطقة قرية العوجا بالأغوار الشمالية، إذ أفاد جيش الاحتلال بتلقي بلاغ عن عملية طعن وإصابة مستوطن بجروح.
وبحسب التقارير الإسرائيلية الأولية، أصيب مستوطن بجروح متوسطة، في حين بدأت قوات جيش وشرطة الاحتلال عمليات بحث عن منفذ العملية.
وتأتي العملية في منطقة تشهد منذ أشهر، تصاعدا في الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون بحق الفلسطينيين. وكانت تقارير حديثة قد تحدثت عن اعتداءات للمستوطنين على فلسطينيين في منطقة العوجا نفسها، بما في ذلك اعتداء وقع قرب نبع العوجا تحت أنظار جنود الاحتلال.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحذر فيه أجهزة آمن الاحتلال، من أن الضفة الغربية تقترب من مرحلة يصعب احتواؤها.
إدارة أدوات القوة
ويرى الباحث والمحلل السياسي سليمان بشارات أن العملية الأخيرة يجب أن تقرأ ضمن سياق أوسع من الخلافات داخل المؤسسة الإسرائيلية حول طريقة إدارة الصراع، وليس باعتبارها حدثا أمنيا منفصلا.
ويقول لصحيفة "فلسطين" إن الخلافات داخل دولة الاحتلال لا تعني وجود خلاف على جوهر الصراع مع الفلسطينيين، موضحا أن "حالة الصراع مع الفلسطينيين هي واحدة من الثوابت التي يتفق عليها كل (إسرائيل)"، وأن التباين الأساسي يتعلق بـ"كيفية التطبيق وفي كيفية التأثير وفي كيفية وضع الخطط الإسرائيلية حيز التنفيذ".
ويضيف بشارات أن مؤسسات أمن الاحتلال تحاول إدارة أدوات القوة بطريقة لا تؤدي إلى "إرباك الموقف الإسرائيلي" أو إحداث تحول في المشهد الدولي والرؤية الدولية تجاه دولة الاحتلال، خصوصا في ظل تعدد الجبهات التي تواجهها الأخيرة.
ويرى أن التحول الذي طرأ على المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة ساهم في إعادة تشكيل الخطاب السياسي، قائلا إن الخطاب الإسرائيلي خلال السنوات الثلاث الماضية أصبح قائما على "الخطاب الوجودي وخطاب حالة الصراع الدائمة"، الأمر الذي أدى إلى الدفع باتجاه "استنفار كل القوى واستخدام فائض القوى لمواجهة هذه الحالة الوجودية".
وبشأن الضفة الغربية، يرى بشارات أن العملية الأخيرة قد تستخدم إسرائيليا لتعزيز الخطاب الأمني، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع الجبهات ستشتعل بالطريقة نفسها. ويقول إن "كل الجبهات مرشحة"، لكنه يشدد على وجود اختلاف بين غزة ولبنان وإيران والضفة الغربية، موضحا أن الضفة قد تكون "إحدى الجبهات المرشحة للاشتعال"، لكن الاشتعال فيها "لن يكون بالمعنى الحربي العسكري الذي قد نراه في جبهات أخرى".
ويشير إلى أن مشروع الاستيطان تمكن خلال العقدين الماضيين من التغلغل داخل مؤسسات دولة وجيش الاحتلال، قائلا إن المستوطنين، عبر "المعاهد ما قبل الخدمة العسكرية"، استطاعوا "اختراق الجيش والتربع في داخل الدولة العميقة للجيش"، وإن عددا من الضباط وقادة الكتائب والألوية العاملة في الضفة الغربية هم من المستوطنين.
ويضيف أن العلاقة بين الجيش والمستوطنات ليست هامشية، مشيرا إلى أن معسكرات الجيش توجد داخل التجمعات الاستيطانية، وأن لجان التأهب في المستوطنات "جزء بنيوي من داخل جيش الاحتلال".
وبحسب بشارات، فإن وظيفة الجيش في الضفة الغربية تقوم أولا على حماية المستوطنين. ويقول إن السياسة التي كانت توصف سابقا بسياسة "العصا والجزرة" تغيرت، بحيث أصبحت دولة الاحتلال تعتمد بصورة أكبر على "العصا"، معتبرا أن استمرار هذا النهج يفتح المجال أمام خيارات أكثر خطورة.
ويحذر من أن التصعيد قد يصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع في الضفة، قائلا إن "التصعيد هو سيد الموقف لأنه يفتح أمام دولة الاحتلال إمكانية تنفيذ خيارات أخرى لم تكن في الماضي"، ومن بينها "التهجير" أو "تحويل التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات مغلقة ومحكمة عليهم".
وفي قراءته للعملية الأخيرة، يرى بشارات أن أهم ما تكشفه هو عمق التناقض بين التحذيرات الأمنية الإسرائيلية من انفجار الضفة وبين السياسات التي تنتج الظروف التي قد تقود إليه، مؤكدا أن أي إجراءات إسرائيلية ضد المستوطنين قد تبقى، في حال غياب تغيير حقيقي، في إطار "إجراءات إعلامية أو إدارية"، بدلا من أن تتحول إلى سياسة فعلية للجم عنف المستوطنين.
برميل من الوقود
من ناحيته، يرى د. وليد حباس، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، أن عملية الطعن في الأغوار يجب ألا تقرأ باعتبارها حدثا منفصلا عن الواقع السياسي والأمني في الضفة الغربية، مؤكدا أنها جاءت ردا على سلسلة من الاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون وجيش الاحتلال بحق أهالي الضفة.
ويصف حباس ما يحدث في الضفة الغربية بأنه "دائرة مغلقة تغذي نفسها بنفسها"، موضحا أن عنف المستوطنين والسياسات الإسرائيلية لاسيما منذ 7 أكتوبر 2023، بما في ذلك تطويق المدن الفلسطينية ونشر الحواجز وقمع الفلسطينيين وخنق الاقتصاد، كلها عوامل تؤدي إلى "شعور بانسداد الأفق أمام الفلسطينيين".
ويعتبر أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بما فيها الجيش والشرطة والمخابرات، رفعت تحذيرات متكررة بشأن خطورة الوضع، قائلا إن الضفة "تقف على برميل من البارود"، بسبب الخنق الاقتصادي واعتداءات المستوطنين وغياب الحماية للفلسطينيين.
ويضيف أن المستوى السياسي الإسرائيلي لا يتعامل مع هذه التحذيرات بالضرورة باعتبارها دعوة لتغيير السياسة، بل يمكن أن يوظفها في الاتجاه المعاكس. ويقول إن المستوى السياسي "يستثمر في حالة الضغط حتى يولد المزيد من الانفجار"، معتبرا أن استمرار التصعيد قبيل الانتخابات قد يخدم حسابات سياسية داخل دولة الاحتلال.
ويرى حباس أن المؤشرات الحالية تدفع إلى الاعتقاد بأن حكومة الاحتلال ماضية في تعزيز قبضتها الأمنية، قائلا إن ذلك قد يؤدي إلى "خلق انفجار بشكل مفتعل داخل الضفة الغربية"، وربما تستخدم الحكومة هذا الانفجار لتغيير الأولويات السياسية والأمنية قبيل الانتخابات.
ويحذر من أن هذا المسار قد يدفع الضفة الغربية نحو سيناريو أكثر تشددا، قائلا إن الخطاب الإسرائيلي قد يتجه إلى اعتبار "كل المجتمع الفلسطيني هو مجتمع إرهابي"، وبالتالي التعامل معه باعتباره مجتمعا خطرا يحتاج إلى مزيد من الإجراءات الأمنية.