في وجود المنعطفات السياسية التي تمر بها القضية الفلسطينية، ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المرتقب للمجلس التشريعي، تتصاعد حالة من القلق والرفض الشعبي والوطني العارم في أوساط النخب المجتمعية، والمخاتير، ورجال الإصلاح، والوجهاء في الوطن والشتات بعد اتباع قيادة السلطة آلية "أقرب إلى التعيين غير المباشر منها إلى الانتخابات الشعبية" لاختيار عضوين من الجالية الفلسطينية في الكويت في المجلس الوطني.
ويأتي هذا القلق إثر الخطوات الأحادية التي أقدمت عليها السلطة وحركة "فتح" مؤخرا، والمتعلقة بإدارة ملف تمثيل الجاليات الفلسطينية في الخارج، وتحديدا ما جرى في دولة الكويت، وهو ما عدَّه وجهاء ومخاتير امتدادا لنهج الهيمنة وتهميش الإرادة الشعبية الجامعة.
وأثار إعلان ما سميت "نتائج انتخابات الجالية الفلسطينية في الكويت"، جدلا سياسيا واسعا. فبينما سارعت الدوائر الرسمية وقيادة السلطة لتسويق هذه الخطوة باعتبارها "عرسا ديمقراطيا" وإنجازا تنظيميا يرمي إلى تجديد مؤسسات منظمة التحرير، قابلتها الفصائل والقوى بموجة استنكار عارمة واصفة إياها بـ"المهزلة الانتخابية" التي تمت بصيغة التعيين غير المباشر داخل مجامع مغلقة بعيدة عن أعين الجماهير ومعايير الشفافية.
أصوات المخاتير ورجال الإصلاح
وفي ظل هذه التطورات، عبر عدد من الوجهاء والمخاتير ورجال الإصلاح خلال مقابلات مع صحيفة "فلسطين" عن رفضهم لتصرف السلطة، محذرين من انعكاساته على مستقبل القرار الفلسطيني ووحدة الصف الوطني.
وأكد المختار أحمد أبو حجر، أن ما حدث في الكويت يمثل جرس إنذار حقيقي لكل الغيورين على المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، مشيرا إلى أن القرار الفلسطيني يجب أن يبقى ملكا لكل أبناء الوطن في الداخل والشتات، وليس حكرا على فصيل بعينه أو جهة تدار بتوجيهات فوقية.
وأضاف: "نحن على أبواب استحقاقات تشريعية وانتخابية مفصلية يفترض أن تجمع ولا تفرق، لكن ما نشهده من هندسة للمجالس والروابط عبر الغرف المغلقة يعمق الشرخ الوطني ويقوض الثقة في أي مسار ديمقراطي قادم"، مشددا على ضرورة العودة إلى الحاضنة الوطنية الشاملة والتوافق.
خزان الثورة
من جهته، أوضح المختار ورجل الإصلاح خالد الشامي، أن الجاليات الفلسطينية في الشتات هي خزان الثورة والذاكرة الحية للجوء، وينبغي التعامل معها باحترام إرادتها الحرة عبر صناديق الاقتراع المباشر.
وتابع: "عندما تدار الانتخابات بمعزل عن الفصائل وبأدوات الضبط التنظيمي الضيق، فإننا لا ننتخب ممثلين للشعب، بل نعيد إنتاج أشكال الوصاية التي لطالما عانى منها مشروعنا الوطني"، داعيا قيادة السلطة للتراجع عن هذه السياسات الاستفرادية وفتح الباب لشراكة حقيقية تضمن تمثيل الكل الفلسطيني.
من ناحيته، رأى رجل الإصلاح قاسم دلول، أن محاولات هندسة المجلس الوطني على أعتاب الانتخابات التشريعية تكشف عن رغبة واضحة في تفصيل المؤسسات على مقاس واحد. وأضاف: "تكريس التفرد في إدارة الشأن العام والشتات سيعود بالوباء على القضية في وقت نحن أشد ما نكون فيه بحاجة إلى الوحدة والتلاحم لمواجهة التحديات المصيرية والعدوان المستمر".
وشدد دلول على أن رجال الإصلاح والمخاتير لن يكونوا شهود زور على تهميش الإرادة الشعبية.
بدوره، علق المختار محمد القصاص على المشهد بالقول: "الديمقراطية الحقة تبنى على الشراكة والقبول بالآخر، لا على الإقصاء وفرض الأسماء بالطرق الإدارية المغلقة"، مشددا على أن الطريقة التي أُجريت بها انتخابات الكويت تفقد العملية برمتها شرعيتها الشعبية، وداعيا إلى تصحيح المسار فورا واحترام مواقف القوى الوطنية التي تنادي بانتخابات نزيهة ومباشرة تمثل كافة شرائح الجاليات في الخارج دون تمييز أو هيمنة حزبية.
وعد المختار ياسر الخولي (58 عاما)، أن أي محاولة للهروب من الاستحقاق الديمقراطي الشامل والجامع عبر "تسويات الشتات" لن تنجح في إضفاء الشرعية على مؤسسات مهترئة.
وتابع: "شعبنا الفلسطيني في مخيمات اللجوء وفي دول الشتات يعي جيدا ما يحاك خلف الكواليس"، داعيا إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية الضيقة والالتزام باتفاقيات المصالحة والتوافق الوطني كطريق وحيد لحماية المشروع الوطني.
وأجمع الوجهاء والمخاتير على أن الرهان على تفكيك الجبهة الشعبية والوطنية بالقرارات الفوقية هو رهان خاسر، محذرين من أن استمرار التجاهل لصوت الشارع سيسبب حالة من الاحتقان المجتمعي التي يصعب احتواؤها في مرحلة حرجة تتطلب أعلى درجات التماسك والاصطفاف خلف الثوابت الوطنية، ومؤكدين أن بقاء القضية الفلسطينية وصون حقوقها الثابتة يمر حتما عبر بوابة الشراكة الديمقراطية الحقيقية، لا عبر التعيينات الفوقية والمجامع المغلقة.