يوافق اليوم (21 أغسطس/ آب) الذكرى السنوية الثالثة والعشرون لاستشهاد عضو المكتب السياسي لحركة حماس وأحد أبرز قادتها السياسيين، المهندس إسماعيل أبو شنب، الذي اغتالته قوات الاحتلال الإسرائيلي برفقة اثنين من مرافقيه.
والقائد أبو شنب عرف كأحد أبرز رموز الوحدة الوطنية ورجل القواسم المشتركة، إذ جمع في تجربته بين صلابة الموقف السياسي ومرونة الحوار وحرصه على الوحدة والمقاومة معا.
وُلد أبو شنب عام 1950 لعائلة فلسطينية هُجّرت من قرية الجيّة في قضاء عسقلان، بعد عامين فقط من نكبة فلسطين، نشأ في مخيم النصيرات، قبل أن ينتقل إلى مخيم الشاطئ، حيث تبلور وعيه في بيئة كان فيها الوطن الغائب حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية.
تفوق في مسيرته العلمية، فالتحق عام 1970 بكلية الهندسة في مصر، وحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية، قبل أن يواصل دراسته ويحصل على درجة الماجستير من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1983.
وكان بإمكانه أن يستقر خارج فلسطين، وأن يبني مسيرة مهنية في دولة عربية أو أجنبية، لكنه اختار العودة إلى وطنه، ليبدأ رحلة مهنية تنقل خلالها بين مواقع عدة. فعمل في تدريس اللغة الإنجليزية، ثم مهندسا في بلدية غزة، وتولى رئاسة قسم الهندسة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، كما عمل مهندسا في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
إلى جانب مسيرته المهنية، كان مسار آخر يتشكل في حياته، تمثل في انخراطه المتدرج في العمل العام والوطني، خلال السنوات التي سبقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.
وشكّل لقاؤه بالشيخ المؤسس الشهيد أحمد ياسين محطة مفصلية في حياته. بدأت العلاقة باستماع أبو شنب إلى خطب الشيخ ومواعظه، ثم تحولت إلى تأثر فكري وعلاقة تنظيمية، قبل أن تتطور إلى شراكة في تأسيس وبناء مؤسسات أهلية واجتماعية عُدّت في تلك المرحلة من ركائز العمل الإسلامي الفلسطيني.
وفي عام 1976، شارك أبو شنب في تأسيس عدد من المؤسسات، من أبرزها نقابة المهندسين والجمعية الإسلامية، لتشكل تلك التجربة إحدى بواباته المبكرة نحو العمل المنظم، وتعكس جانبا أساسيا في شخصيته، تمثل في الجمع بين العمل المؤسساتي والنشاط السياسي.
ومع اندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987 وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، برز أبو شنب باعتباره أحد أبرز قادة الحركة.
وفي عام 1989، اعتقلته قوات الاحتلال، واتهمته بالتواصل مع خلية تابعة لكتائب القسام كانت مسؤولة عن أسر الجندي الإسرائيلي إيلان سعدون وقتله. وحُكم عليه بالسجن لمدة ثمانية أعوام، أمضاها في سجون الاحتلال، قبل الإفراج عنه عام 1997.
رجل القواسم المشتركة
بعد خروجه من سجون الاحتلال، اتسم النهج السياسي للمهندس الشهيد إسماعيل أبو شنب بالبراغماتية، واعتبر الحوار الوطني بين مختلف مكونات العمل الفلسطيني خيارا استراتيجيا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
ودعم مشاركة حماس في المحافل والحوارات الوطنية، وشارك ضمن وفد الحركة في حوار نابلس عام 1997، وأسهم في صياغة البيان المشترك الذي صدر عن الحوار.
كما شارك في تشكيل ما عُرف حينها بـ"سكرتاريا الحوار والوحدة الوطنية للفصائل والقوى الوطنية"، وأصبح لاحقا أحد أبرز أعضائها.
وسعى القائد الذي ارتبط اسمه بفكرة الوحدة الفلسطينية، إلى ترسيخ القواسم المشتركة بين مختلف مكونات الشارع الفلسطيني، مؤكدا ضرورة إيجاد آلية تتيح التنسيق والتناغم بينها، حتى مع اختلاف برامجها واستراتيجياتها.
وكان يرى أن القوى الوطنية ليست مطالبة بالتطابق في رؤاها أو خياراتها، لكنها مطالبة بإيجاد مساحات مشتركة يمكن من خلالها خدمة العمل الوطني الفلسطيني.
وحدة وطنية
لم يكن مفهوم الوحدة الوطنية لدى أبو شنب قائما على تذويب المواقف السياسية أو دفع حركة حماس نحو التسوية مع الاحتلال، بل كان يميز بوضوح بين الحوار الفلسطيني الداخلي وبين التنازل عن الخيارات السياسية للحركة.
ومن هذا المنطلق، واصل الدفع باتجاه تشكيل قيادة وطنية موحدة قادرة على إدارة الصراع مع الاحتلال.
وبحسب شهادات لقادة فلسطينيين وردت في بحث علمي تناول دوره الوطني، فقد كان أبو شنب أقرب إلى "الإطار المشترك الجامع للقوى الوطنية والإسلامية".
في قلب انتفاضة الأقصى
مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، دخلت الساحة الفلسطينية مرحلة أكثر دموية، تصاعد خلالها عدوان الاحتلال واتسعت رقعة المواجهة، وأصبح تنسيق جهود القوى والفصائل الفلسطينية أكثر إلحاحا.
وفي تلك المرحلة، واصل أبو شنب جهوده لتقريب وجهات النظر بين الفصائل وتوحيد الجهد الفلسطيني في مواجهة اعتداءات الاحتلال، مع احتفاظه بموقعه القيادي داخل حركة حماس ودوره السياسي والإعلامي البارز.
وكان حاضرا في النقاشات الوطنية والحوارات وفي محطات الأزمات، حتى ارتبط اسمه بصورة السياسي القادر على الحوار والمحاججة والوصول إلى المساحات الممكنة للعمل المشترك، حتى مع اختلاف المواقف السياسية.
في 21 أغسطس/آب 2003، استهدفت طائرات الاحتلال سيارة إسماعيل أبو شنب في مدينة غزة بصاروخين، ليرتقي شهيدا برفقة اثنين من مساعديه، بعد مسيرة امتدت من اللجوء والنشأة في المخيمات، إلى العلم والهندسة والعمل المؤسساتي، ثم الاعتقال والسجن، فالعمل السياسي والمقاومة والحوار الوطني.
وخلف اغتياله إرثاً سياسياً ظل حاضراً في جانب من النقاشات الفلسطينية، يقوم على أن المقاومة لا تتعارض مع الحوار الوطني، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة داخلية.
وبعد ثلاثة وعشرين عاماً على اغتياله، تستعاد تجربة إسماعيل أبو شنب بوصفها واحدة من التجارب البارزة في تاريخ العمل السياسي الفلسطيني، وباعتباره رمزا للوحدة الوطنية والقواسم المشتركة، وشخصية كرست جانباً كبيراً من تجربتها لإيجاد مساحات تجمع بين مختلف مكونات الساحة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.