كان الفتى إسماعيل البردويل، (14 عاماً)، يستعد لبدء يومه كما اعتاد؛ يخرج صباحاً مع إخوته إلى البحر بحثاً عن صيد يسد جوع أسرته، ثم يعود ليلتحق بمدرسته.
لكن الفتى الذي غادر خيمته بحثاً عن رزق عائلته، لم يعد يحمل شباك الصيد ولا السمك، بل عاد جثماناً إلى ذويه.
يقول والده، أيمن البردويل، إن نجله خرج صباحاً برفقة إخوته، وقال لهم: "أريد أن أخرج مع إخوتي للصيد، ثم أذهب إلى المدرسة".
وبحسب رواية الأب، لصحيفة "فلسطين" لم يكد إسماعيل يبتعد سوى نحو 20 متراً داخل البحر، على متن "حسكة" صغيرة تعمل بالمجداف في منطقة "فيش فريش"، حتى أصيب برصاصة أطلقها قناص إسرائيلي، وفق شهادته.
ويضيف البردويل أن نجله أُصيب داخل البحر، ونُقل إلى المستشفى الميداني التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر، إذ حاول الطاقم الطبي إنقاذه، لكنه فارق الحياة متأثراً بإصابته.
رحلة قصيرة إلى البحر
لم تكن رحلة إسماعيل إلى البحر في ذلك الصباح بحثاً عن مغامرة أو نزهة، وفق والده، وإنما محاولة للمساهمة في توفير الطعام للأسرة.
يقول البردويل: "رايح يجيب أكل، والسمك هذا بالكاد يكفينا".
ويصف الرجل حال أسرته، التي تعتمد على الصيد منذ عقود طويلة، بأنها وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها البحر مصدر رزق مستقراً، بعدما دمرت القوارب ومعدات الصيد خلال الحرب، ولم يبق للعائلة سوى قارب التجديف الصغير.
ويقول: "إحنا صيادين طول عمرنا، دمروا مراكبنا، دمروا حالنا، دمروا مالنا، ما ظلش غير مركب المجداف هذا".
كان إسماعيل وإخوته قد ألقوا شباك الصيد في البحر في مساء اليوم السابق (أول من أمس)، بحسب رواية والده، وعادوا صباح اليوم (أمس) لجمعها.
لكن المشهد الذي كان يفترض أن ينتهي بحمل الشباك المليئة بالسمك، انتهى بحمل جثمان شقيقهم.
يقول الأب: "بدل ما يجيبوا الصيد والرزق، جابوا أخوهم شهيد".
بحر ضاقت فيه مساحة الرزق
يأتي استشهاد إسماعيل في وقت يواجه فيه الصيادون في قطاع غزة ظروفاً بالغة الصعوبة، بعد سنوات من الاستهداف والتدمير والقيود على الوصول إلى البحر، ثم الأضرار الواسعة التي لحقت بقطاع الصيد خلال الحرب.
وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قد وثق، قبل الحرب، مئات حوادث إطلاق النار ضد قوارب الصيد، إلى جانب إصابة صيادين واعتقال آخرين ومصادرة قوارب ومعدات صيد. ففي عام 2022 وحده، وثق المركز 323 حادثة إطلاق نار تجاه قوارب الصيد، إضافة إلى إصابة 16 صياداً واعتقال 64، بينهم أطفال، واحتجاز 21 قارب صيد.
وفي سبتمبر/أيلول 2023، قال مركز الميزان لحقوق الإنسان إنه وثق منذ بداية ذلك العام 232 انتهاكاً بحق الصيادين، شملت اعتقال 30 صياداً وإصابة 18 والاستيلاء على 10 قوارب.
ومع اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتسعت الأضرار التي لحقت بمهنة الصيد ومصادر رزق العاملين فيها.
وفي تقرير نشره في أغسطس/آب 2025، قال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن أكثر من 85% من أصول قطاع الصيد في غزة دُمّرت، وإن أكثر من 5 آلاف صياد أصبحوا بلا وسيلة لكسب الرزق، مشيراً إلى الأضرار التي لحقت بالميناء الرئيس ومرافئ الصيد وغرف الصيادين ومعداتهم.
وتشير هذه المعطيات إلى حجم التحول الذي أصاب مهنة ارتبط بها آلاف الفلسطينيين في القطاع؛ من مصدر تقليدي للغذاء والدخل، إلى مهنة محفوفة بمخاطر متزايدة وقيود واسعة على الوصول إلى البحر.
"كان يريد أن يذهب إلى المدرسة"
وسط هذا المشهد، يحتفظ الأب بتفصيل صغير يختصر قصة ابنه.
إسماعيل لم يكن ينوي قضاء يومه كاملاً في البحر. كان يريد، بحسب والده، أن يساعد إخوته في جمع شباك الصيد، ثم يعود إلى مقعده الدراسي.
كان في الرابعة عشرة من عمره؛ في سن يفترض أن تكون فيها الأولوية للمدرسة والأصدقاء والأحلام الصغيرة، لا للبحث عن لقمة العيش في بحر تحيط به المخاطر.
لكن الحاجة دفعت الفتى إلى الخروج مع إخوته، في حين كانت الأسرة تعوّل على كمية الصيد التي ستخرج بها الشباك في ذلك الصباح.
وبدلاً من أن يعود إسماعيل إلى المدرسة، كان على أسرته أن تستقبل خبر استشهاده، ثم تستعد لوداعه.
يستعيد والده اللحظات الأخيرة بصوت مثقل بالفقد، قبل أن يردد ثلاث مرات: "حسبي الله ونعم الوكيل".
ولم يكن إسماعيل، وفق شهادة والده، أول فرد في العائلة يذهب إلى البحر بحثاً عن الرزق، ولن تكون قصته منفصلة عن واقع الصيادين الذين يحاولون العمل في ظروف قاسية.
لكن بالنسبة إلى أسرته، لم تعد الأرقام والإحصاءات هي الأهم.
هناك الآن اسم ووجه وعمر وذكريات: إسماعيل، 14 عاماً.
صبي خرج صباحاً مع إخوته، حاملاً أملاً بسيطاً في أن يعود ببعض السمك، وأن يلحق بعدها بمدرسته.
وبحسب رواية والده، أصابته رصاصة وهو على بعد نحو 20 متراً فقط داخل البحر، لتنتهي رحلة الصيد قبل أن تبدأ.
وفي المكان الذي كان يفترض أن تكون فيه الشباك مملوءة بالرزق، بقيت عائلة تنتظر ابنها الذي لن يعود.
أما الأب، فيلخص المأساة بكلمات قليلة: "بدل ما يجيبوا الصيد والرزق، جابوا أخوهم شهيد".