طالب خبراء اقتصاد، السلطةَ في رام الله باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هدر المال العام وضبط النفقات الحكومية، مع تفاقم الأزمة المالية وتراكم الديون والمتأخرات وتراجع قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والقطاع الخاص.
ودعا الباحث في إدارة المخاطر والأزمات أنور عطا الله إلى إجراءات مالية واقتصادية عاجلة، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد ينقل الأزمة من العجز المالي وتأخر الرواتب إلى أزمة سيولة وخدمات، ثم إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية أوسع.
وطالب عطا الله في حديث مع صحيفة "فلسطين" بإعادة هيكلة السفارات والممثليات الفلسطينية في الخارج، ومراجعة جدواها وتكاليفها، مع التوسع في الخدمات القنصلية الرقمية والاستعانة، حيثما أمكن، بمراكز خدمات معتمدة لتنفيذ المعاملات الأساسية، بما يخفض النفقات دون المساس بالتمثيل الدبلوماسي الفلسطيني.
كما دعا الى وقف الترقيات والبدلات والنثريات والمصاريف غير الضرورية للمسؤولين والشخصيات الحكومية خلال المرحلة الاستثنائية، مؤكدًا أن إجراءات التقشف يجب أن تبدأ من أصحاب القرار، بالتوازي مع ما يُطلب من المواطنين والموظفين والقطاع الخاص من تحمل لأعباء الأزمة.
واقترح وضع سقف مؤقت للأجور والامتيازات في مؤسسات السلطة لا يتجاوز 5 آلاف شيكل شهريًا، مع استثناءات مهنية محدودة وشفافة للوظائف التخصصية الحرجة، معتبرًا أن الظروف الاستثنائية تتطلب توزيعًا أكثر عدالة لأعباء الأزمة.
وطالب عطا الله بإنشاء هيئة وطنية متخصصة ومستقلة لإدارة ملف أموال المقاصة والاقتطاعات الإسرائيلية، تضم خبراء في المالية العامة والاقتصاد والقانون الدولي والتجارة والضرائب، وتتولى متابعة الأموال المحتجزة أو المقتطعة والعمل مع الجهات الدولية للضغط من أجل وقف الاقتطاعات وتنفيذ الالتزامات ذات الصلة ببروتوكول باريس الاقتصادي.
وفي ملف العمال الفلسطينيين، دعا إلى تشكيل لجنة وطنية للدفاع عن حقوق العمال الذين أوقفت تصاريحهم، والتواصل مع النقابات العمالية ومنظمة العمل الدولية والمؤسسات الحقوقية، للضغط من أجل إعادة العمال إلى أماكن عملهم، باعتبار أن دخلهم يمثل عنصرًا أساسيًا في دورة الاقتصاد والاستهلاك والإيرادات العامة.
كما دعا إلى التحول إلى موازنة طوارئ تخضع فيها جميع بنود الإنفاق للمراجعة وفق معيار الأولوية، مع حماية الإنفاق على الصحة والتعليم والأمن والخدمات الاجتماعية الأساسية، وتأجيل النفقات غير الضرورية.
واقترح عطا الله إنشاء خلية وطنية لإدارة الأزمة المالية تضم وزارة المالية وسلطة النقد وخبراء اقتصاديين وماليين وأكاديميين وممثلين عن القطاع الخاص ومتخصصين في إدارة المخاطر والأزمات، لوضع سيناريوهات واضحة للتعامل مع تطورات الأزمة.
وأوضح أن الخلية يجب أن تعمل وفق ثلاثة سيناريوهات: الاستقرار، واستمرار الأزمة، والانهيار المالي، على أن يرتبط بكل سيناريو إجراءات محددة ومؤشرات إنذار مبكر ومسؤوليات واضحة.
واستند عطا الله إلى أرقام أوردها البنك الدولي بشأن الوضع المالي للسلطة، مشيرًا إلى أن العجز المالي قبل المنح بلغ نحو 1.03 مليار دولار خلال 2025، فيما بلغت المنح نحو 938 مليون دولار، واتسع العجز بعد احتساب الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة إلى نحو 1.3 مليار دولار.
وأضاف أن المتأخرات المستحقة للقطاع الخاص بلغت نحو 1.82 مليار دولار، فيما وصلت المتأخرات المستحقة للموظفين العموميين إلى نحو 2.85 مليار دولار، بينما قُدّر الدين العام بنحو 4.8 مليار دولار.
وأشار إلى أن تعرض القطاع المصرفي للقطاع العام وصل إلى نحو 5.3 مليار دولار، بما يعادل قرابة 42% من إجمالي الائتمان المصرفي، معتبرًا أن ذلك يستدعي التعامل مع الأزمة باعتبارها قضية استقرار مالي ومصرفي، وليس مجرد مشكلة في الموازنة.
وبحسب التقديرات التي أشار إليها، قد يتجاوز العجز خلال عام 2026 نحو 1.2 مليار دولار، ويرتفع بعد احتساب الاقتطاعات إلى نحو 1.6 مليار دولار.
وقال عطا الله إن خطورة الوضع لا تكمن في الأرقام المالية وحدها، وإنما في احتمال انتقال الأزمة من أزمة موازنة إلى أزمة سيولة، ثم إلى أزمة في تقديم الخدمات، وصولًا إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية أوسع.
وأكد أن إدارة الأزمة تتطلب اكتشاف المخاطر مبكرًا ووضع بدائل عملية، خصوصًا في ظل ارتفاع المتأخرات وتزايد العجز وتراجع قدرة السلطة على تمويل احتياجاتها من القطاع المصرفي.
بنية الإنفاق العام
بدوره، قال المختص الاقتصادي د. هيثم دراغمة إن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على انتظار الإفراج عن أموال المقاصة أو الحصول على مساعدات خارجية، مؤكدًا أن السلطة مطالبة بإعادة النظر في بنية الإنفاق العام ووقف أوجه الاستنزاف المالي غير الضرورية.
وبين دراغمة لصحيفة "فلسطين" أن الأزمة المالية تحمل جانبًا مرتبطًا بالاحتلال واحتجاز أموال المقاصة، إلا أن هناك مسؤولية داخلية تتعلق بإدارة المال العام وتنويع الإيرادات وضبط المصروفات.
وشدد على ضرورة أن تبدأ السلطة بخطوات عملية لوقف هدر المال العام، تشمل وقف الترقيات غير الضرورية، وضبط البدلات والمصاريف التشغيلية، ومراجعة السيارات الحكومية والامتيازات، وإعادة تقييم المؤسسات والنفقات التي يمكن الاستغناء عنها أو تخفيضها.
وطالب دراغمة بأن تتحمل المؤسسات العليا والمسؤولون جزءًا واضحًا من إجراءات التقشف، معتبرًا أن المواطن يجب أن يرى أن ضبط الإنفاق يطبق على الجميع، وليس فقط على الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة.
وقال إن وقف هدر المال العام يجب أن يتحول من شعار إلى برنامج حكومي معلن يتضمن نشر أوجه الإنفاق، ومراجعة العقود والمشتريات الحكومية، وتعزيز الرقابة والتدقيق، وربط الإنفاق العام بمدى ضرورته وأثره على الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويرى دراغمة أن الخروج من الأزمة يحتاج إلى مسارين متوازيين: خفض النفقات وضبط الهدر وتعزيز الشفافية، والعمل على بناء مصادر إيرادات أكثر استدامة، بما يقلل اعتماد المالية العامة على المساعدات وأموال المقاصة.
وأكد الخبراء أن التعامل مع الأزمة يتطلب قرارات سريعة وشفافة، تبدأ بترشيد الإنفاق ووقف الهدر، بالتوازي مع التحرك لاستعادة أموال المقاصة وتعزيز الإيرادات ووضع خطط للتعامل مع مختلف السيناريوهات المالية.

