مع استمرار استهداف جيش الاحتلال عناصر وضباط جهاز الشرطة في قطاع غزة، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تتصاعد المخاوف من تداعيات أمنية ومجتمعية تتجاوز الأضرار المباشرة للهجمات، في وجود ما يراه محللون محاولة لإضعاف مؤسسات القطاع وخلق فراغ أمني وإداري.
وتصعد (إسرائيل) من جرائم الاغتيال مستهدفة شخصيات بارزة في جهاز الشرطة، إذ قصفت أول من أمس، مقر شرطة البلديات وسط مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد قيادات بارزة في الجهاز الذي تعرض لضربات قاسية خاصة بعد اتفاق وقف النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية.
وتؤدي الشرطة أدوارًا تتجاوز المهام الأمنية، إذ ترتبط بعملها خدمات مدنية أساسية، تتعلق بحماية المؤسسات ومتابعة القضايا الأمنية والمساهمة في ضبط الأسواق وحماية الممتلكات وشاحنات المساعدات الإغاثية.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني، أن استهداف الشرطة يأتي ضمن سياق أوسع يستهدف البنية المدنية والأمنية في غزة، ويهدف إلى إضعاف قدرة المؤسسة الشرطية على أداء وظائفها وترك المجتمع أمام مزيد من الفوضى.
وأضاف مسلماني لصحيفة "فلسطين"، أن الشرطة في غزة ليست مجرد جهاز أمني، بل هي جزء من منظومة الحياة المدنية، واستهدافها يساهم في خلق فراغ إداري وأمني ينعكس مباشرة على المواطنين.
ونبَّه إلى أن الاحتلال الإسرائيلي ينظر إلى الشرطة باعتبارها جزءًا من منظومة الحكم في القطاع، ويزعم أن استهدافها يمكن أن يشكل وسيلة للضغط على حركة حماس وإضعاف قدرتها على إدارة الحياة اليومية.
وأوضح أن ضرب ما تبقى من مراكز الشرطة ومركباتها وقصف عناصرها وضباطها، قد يؤدي وإضعاف حماية المؤسسات، وتعقيد التحقيقات وملاحقة مرتكبي المخالفين للقانون، فضلًا عن زيادة الصعوبات المرتبطة بتنظيم وتوزيع المساعدات الإنسانية.
وأشار إلى أن غياب الشرطة أو إضعاف حضورها يمكن أن يفتح المجال أمام تنامي مظاهر الفوضى والجريمة، بما في ذلك نشاط اللصوص والعصابات وشبكات السوق السوداء، وهو ما يزيد الضغوط على سكان القطاع.
وحذر مسلماني من أن استهداف عناصر الشرطة لا يقتصر أثره على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الجبهة الداخلية، موضحًا أن اتساع الفوضى يشتت المجتمع ويضعف قدرته على مواجهة التداعيات المستمرة للحرب.
وبشأن احتمال استفادة مليشيات العملاء المرتبطة بالاحتلال من الفراغ الأمني الناتج عن استهداف الشرطة، قال مسلماني إن هذا الاحتمال يمثل "تحليلًا منطقيًا له سوابق في مناطق صراع أخرى".
وأوضح المختص بالشؤون الإسرائيلية، أن إضعاف جهاز الشرطة يمنح شبكات العملاء مساحة أكبر للحركة، كما أن غياب الأمن الرسمي قد يسمح لمجموعات مرتبطة بالاحتلال بالنشاط تحت عناوين محلية مختلفة.
وأضاف، أن إرباك المجتمع وإضعاف ثقته بمؤسساته قد يجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للتجنيد أو التعاون، كما أن تراجع الحضور الأمني قد يسهل تنفيذ عمليات الاغتيال والاستهداف الميداني.
وأكد مسلماني، أن ذلك لا يعني وجود إعلان إسرائيلي صريح بأن استهداف الشرطة يهدف إلى تسهيل نشاط العملاء، لكنه أشار إلى أن "خلق هذا الفراغ الأمني يمثل نتيجة عملية مفيدة للاحتلال، حتى لو لم يكن هدفًا معلنًا".
كما أثار اغتيال مجموعة من ضباط الشرطة، ردود فعل رافضة لسياسات الاحتلال، وسط تحذيرات من مخاطرها الأمنية الساعية إلى نشر الفوضى والانفلات في القطاع، في وقت يحتاج فيه السكان إلى إغاثتهم وإعماره ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية.
وكتبت "رانيا الشاعر" على حسابها في منصة "إكس": "قصف مقر قيادة شرطة البلديات بعد يوم واحد من حملة تنظيم الأسواق والبسطات مش صدفة! 9 شهداء وأكثر من 15 مصابًا في جريمة واضحة لضرب أي مظهر من مظاهر النظام ونشر الفوضى في غزة. الاحتلال بده يكسر أي جهد يحمي مصالح الناس وينظم الشارع".
وكتب غالب أبو شعبان في منشور على حسابه في منصة "إكس": إن حالة الارتياح الشعبي التي شهدها قطاع غزة عقب حملة لتنظيم الأسواق والبسطات وتسهيل حركة المواطنين، قابلها الاحتلال الإسرائيلي بقصف مقر قيادة شرطة البلديات.
وأضاف أبو شعبان أن هذا الاستهداف يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاحتلال يسعى إلى "فوضى عارمة"، وأنه يستهدف أي محاولة مدنية لتنظيم شؤون الحياة اليومية.
وعدَّ الأكاديمي والدكتور محمد المدهون، وزير الشباب والرياضة والثقافة سابقًا، في منشور على حسابه في "فيسبوك"، استهداف الشرطة "ضربةٌ للنظام المدني ومحاولةٌ لزرع الفوضى في قلب مجتمعٍ يقاتل ليستعيد حياته من بين الركام".
وكانت حركة حماس أدانت المجزرة المروعة باستهداف الاحتلال مقر الشرطة في مدينة غزة، ووصفت الحدث بأنه "جريمة حرب صهيونية جديدة، وتكشف إصرار حكومة مجرم الحرب نتنياهو على التنصل من التزاماتها، ورفضها العملي المضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار واستكمال مراحله".
وقالت حماس في بيان نشرته على موقعها الرسمي: إن "توقيت هذه المجزرة، في أعقاب اللقاءات والاتصالات الأخيرة مع الوسطاء والضامنين، واللقاءات التي جرت مع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، وما شهدته من جهود لدفع تنفيذ الاتفاق واستكمال خارطة الطريق؛ يؤكد أن حكومة نتنياهو تتعمد تقويض هذه الجهود، وتدفع بصورة خطيرة نحو إعادة إشعال حرب الإبادة ضد شعبنا في قطاع غزة، بدلا من الالتزام بما تم الاتفاق عليه".