فلسطين أون لاين

عندما استهدف المنازل على رؤوس ساكنيها بحي الزيتون

جنازة الـ50 شهيدًا.. بيوت حولها الاحتلال لمقابر جماعية خلال الإبادة

...
جانب من تشييع 50 شهيداً بغزة
غزة/ يحيى اليعقوبي:

على أرض مجمع الشفاء الطبي التي كانت خلال الإبادة مقبرة لدفن الشهداء قبل نقلهم لاحقا، تراصت أكفان رفات 50 شهيدًا بينهم 19 طفلاً من عائلات: السوافيري، والبطنيجي، وكرم، في جنازة جماعية شيعت أمس وكشفت عن بشاعة الإبادة عندما كان الاحتلال يقصف المنازل على رؤوس ساكنيها، محولاً تلك البيوت إلى مقابر جماعية أطبقت أسقفها على من بداخلها وأسكت صوت الحياة.

قبل الاستهداف كان الأطفال يلهون ويلعبون قبل لحظات القصف في حين كانت النساء تتشارك في حمل أعباء منزلية والرجال يحاولون توفير الطعام وقت المجاعة، ومنذ نحو عامين وثمانية أشهر لم تستطع طواقم الدفاع المدني والعائلات انتشالهم لعدم امتلاك المعدات اللازمة.

على غرار جنازة عائلتي الحساينة وأبو شريعة التي شيعت 112 شهيدا في 4 آب/ أغسطس الجاري، شيعت عائلات السوافيري والبطنيجي وكرم أبناءها، التي استغرقت قرابة ثلاث سنوات حتى تفتح مراسم العزاء وتنهي انتظارها الطويل لمواراة أبنائهم في الثرى.

قبر جماعي

خلال مراسم التشييع كان أفراد كل عائلة يحملون لوحة تحمل أسماء وصور الشهداء، التي ألصقت على الجثامين المكفنة بعلم فلسطين، جلهم من الأطفال والنساء. بين صفوف الجثامين ترى صورة طفلة واسمها زينة محمد السوافيري (7 سنوات) وبجانبها رفات طفلة تدعى فاطمة أحمد السوافيري (7 أشهر).

انطلقت الجنازة من مجمع الشفاء الطبي باتجاه  شارع عمر المختار نحو المقبرة المجاورة للمستشفى المعمداني لدفن كل شهداء عائلة بقبر جماعي واحد كما احتضن رفاتَهم منزل واحد، في مأساة تجسد بشاعة الإبادة التي ارتكبها الاحتلال في غزة بشكل يفوق جرائم الحروب العالمية الأولى والثانية في أثناء ارتكاب مجازر إبادة جماعية.

WhatsApp Image 2026-08-20 at 12.03.49 PM (2).jpeg
 

في الصفوف الأولى للمشيعين لحظة انطلاق الجنازة كان الطفل "أنس" يحمل جثمان شقيقته الطفلة لين محمد كرم، نجا أنس وحيدًا من المجزرة التي استشهد فيها معظم أفراد عائلته، على واجهة الكفن تبتسم لين وتضحك في صورة تختلف عن المشهد داخل الكفن الذي يغطي العظام المتبقية منها، انتظر الطفل نحو ثلاث سنوات حتى يتمكن من حمل رفات شقيقته التي كان يلعب معها لحظة وقوع المجزرة.

في حين كان محمد صلاح السوافيري يحمل رفات طفلة شهيدة من أفراد عائلته، بعدما فقد شقيقه وزوجة شقيقه وأبناءهم وشقيقته وزوجها وأبناءها وأخواله وأبناء عمه في المجزرة التي ارتكبها الاحتلال في 2 ديسمبر/ كانون أول 2023 بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة.

كان محمد وزوجته وأبناؤه الذين يسكنون في نفس المنزل المستهدف في عداد الشهداء، لولا أن قرر قبل القصف الذي استهدف المنزل الساعة الثانية مساءً، الذهاب للسوق مصطحبا زوجته وجميع أبنائه معه، ما كتب له النجاة، لم يتوقع لحظة حدوث دوي انفجار أن يكون منزله المستهدف، قبل أن يتلقى اتصالاً حينها يخبره باستشهاد شقيقه وأبنائه فتوجه نحو المستشفى المعمداني.

عندما وصل لساحة المشفى، وجد نحو 11 شهيدا انتُشلوا لحظة المجزرة، بينهم جثامين شقيقه وأبناء عمه وشقيقته، ليقف أمام صدمة فقد ذويه ومنزله وبدأ رحلة تشرد "من الصفر"، ويقول لصحيفة "فلسطين" بعينين محمرتين وقلب مكلوم: "توزع الشهداء على ثلاثة منازل وكان عددهم 28 فردا بينهم 20 طفلا، أصغر الأطفال طفلة تبلغ من العمر أربعين يوما وطفلة بعمر سبعة أشهر ومسنة بعمر 75 سنة، تبقى 17 شهيدا تحت الأنقاض".

انتظار طويل

وأضاف وهو يستذكر مرارة الأيام والأشهر والسنوات التي مرت دون أن تتمكن العائلة من انتشال الرفات: "كنا نشعر بمرارة الألم لعجزنا عن مواراتهم في الثرى ونحن نمر على البيوت. لحظة المجزرة كان الأطفال يلعبون داخل صالون البيت، بينهم كان أبناء أختي حمزة وفاطمة، ابنة عمي كانت لا تجد حليبا لإرضاع طفلتها، فبأي ذنب قتلوا؟".

بين طابور من المشيعين كان رياض ارقيق يحمل رفات ابنة شقيقه الشهيدة نورهان مازن ارقيق، فشقيقه موجود لعلاج ابنه المريض بالضفة الغربية ولم يتبقَّ إلا هو لتشييع ابنة شقيقه، ويحكي ارقيق الذي بدى عليه الإرهاق والتعب لصحيفة "فلسطين" وكان أبناؤه بجواره يحملون جثامين أبناء أعمامهم: "استشهدت نورهان هي وأشقاؤها الثلاثة (بنتان وذكر) عندما ذهبوا لزيارة خالتهم من عائلة "كرم" ووقعت المجزرة عندما كان جيش الاحتلال يحاصر المنطقة وأدى القصف لاستشهاد 21 فردًا".

WhatsApp Image 2026-08-20 at 12.07.22 PM.jpeg
 

بقربه يحمل شاب جثمان ابنة عمه وتدعى نهى إبراهيم العف استشهدت بنفس المجزرة التي وقعت في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2023 بمنزل عائلة كرم، واستشهد من عائلة العف 8 شهداء، وبجواره كان عبد الرحمن يحمل جثمان "عديله" الشهيد محمد عدنان كرم الذي استشهدت معه طفلته.

بين المشاركين هيثم البطنيجي الذي فقد أفراد عائلته في المجزرة التي وقعت يوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، واستشهد خلالها نحو 45 شهيدا، انتشلوا عددا من الجثامين في اللحظات الأولى لوقوع المجزرة وبقي عدد من الشهداء تحت الركام، واستطاعت فرق الدفاع المدني انتشال 12 شهيدا للمشاركة بجنازة الـ 50 شهيدًا.

WhatsApp Image 2026-08-20 at 12.07.21 PM.jpeg
 

ويروي البطنيجي لصحيفة "فلسطين": "استهدف الاحتلال منزل الحاج عبد الرحيم محمود البطنيجي، كان في المنزل أبناؤه وزوجاتهم وزوج ابنته مع أولادها وشقيقاته، وجرى قصف المنزل المكون من أربع طبقات والطابق الخامس "روف"، ولم ينجُ من المجزرة سوى الطفلة شهد فادي البطنيجي كانت بحالة حرجة ونجت وحيدة بعد ذلك".

وقال المتحدث باسم الدفاع المدني الرائد محمود بصل خلال مراسم التشييع: إن "هؤلاء الشهداء استطاعت الطواقم انتشالهم في حين هناك جثامين شهداء ذابت حتى رفاتهم نتيجة استمرار وجودهم تحت الركام منذ ثلاثة أعوام، بينهم نساء حوامل لم تستطع فرق الدفاع المدني انتشالهم لافتقارها للمعدات الثقيلة اللازمة".

وتساءل بصل: بأي "أخلاق تبقى جثامين الشهداء تحت الأنقاض والكتل الخرسانية لفترة طويلة، وتحرم الطواقم الإنسانية من امتلاك مقدرات ومعدات لانتشالهم؟"، مؤكدا أن القضية تتعلق بمصير 8 آلاف مفقود لا تزال عائلاتهم تنتظر على أحر من الجمر وتتواصل مع فرق الدفاع المدني للاستفسار عن موعد انتشال أبنائهم.

WhatsApp Image 2026-08-20 at 12.03.50 PM (1).jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين