في مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، يحاول النحال سامح العقاد أن يعيد إلى الحياة ما تبقى من مهنته، بعدما دمرت الحرب مناحله في منطقة القرارة، وحوّلت سنوات من العمل والعناية بعشرات الخلايا إلى بقايا صناديق وأخشاب متناثرة تحت الركام.
لم يكن العقاد يملك رفاهية البدء من الصفر بمواد جديدة، فبدأ من تحت الأنقاض. خلال فترات الهدوء والهدن، كان يعود إلى المناطق التي دُمرت فيها المناحل، يبحث بين الركام عن صندوق خشبي لم يتلف بالكامل، أو برواز يمكن استخدامه، أو قطعة من معدات تتيح له مواصلة تربية النحل.
يقول العقاد (٤١ عاما)، وهو من سكان خان يونس، إن رحلة النزوح بدأت باتجاه البحر، قبل أن يحاول لاحقاً استعادة ما يمكن إنقاذه من منحله: "كنا نذهب لجمع الخشب للخلايا المكسورة والمضروبة بسبب القصف، ونحاول لملمة ما تبقى منها ووضع النحل فيها".
كان لديه منحل يضم نحو 100 خلية، وآخر يحتوي قرابة 20 خلية، لكن القصف الاسرائيلي دمر المنحلين بالكامل تقريباً. وبينما فقد معظم ما بناه خلال سنوات، قرر ألا يترك المهنة التي ارتبط بها جانباً، فجمع نحو 60 خلية من بقايا المناحل، وبدأ من جديد.
ومن خليتين نجتا من الحرب، حاول العقاد بناء مستعمرة جديدة. أعاد رعاية النحل وتقسيمه وتربيته، مستفيداً من موسم الربيع الذي يمثل فرصة مهمة للنحالين في تكثير الخلايا وتطويرها.
لكن استعادة المنحل لم تكن مهمة سهلة. ففي المكان الجديد، تحيط الخيام بالخلايا، وتنتشر أضواءها ليلاً، فيما تملأ أصوات النازحين وحركة الناس المكان. وهي ظروف يقول العقاد لصحيفة "فلسطين" إنها لا تشبه البيئة التي اعتاد النحل العيش فيها.
ويشرح أن «النحل يحتاج إلى الهدوء»، لكن الخيام والضوضاء والأضواء الليلية تؤثر في سلوكه وتضعف الخلايا. كما أن النقص الحاد في البراويز والشمع والأدوية والمستلزمات الخاصة بتربية النحل جعل عملية إعادة بناء المنحل أكثر صعوبة.
وللتغلب على نقص المواد، اضطر العقاد إلى ابتكار حلول بديلة. فعوضاً عن استخدام البراويز كاملة كما كانت في السابق، صار يضع شرائح على البرواز لتوفير ما يتوفر من مواد، محاولاً منح النحل أساساً يبني عليه الشمع.
أكثر القطاعات تضررًا
هذه المعاناة لا يعيشها العقاد وحده. ففي منطقة أخرى من مواصي خان يونس، يحاول النحال عمر عاشور، الذي يعمل في تربية النحل منذ عام 2000 في منطقة القرارة، إعادة بناء منحله أيضاً.
يقول عاشور لـ"فلسطين" إن النحالين بدأوا هذا العام بتكثير الخلايا وتجميعها، قبل إنشاء المناحل مجدداً، لكن نقص البراويز يجبر النحل على بناء الشمع بنفسه، وهو ما يضاعف الجهد ويصعّب عملية جني العسل.
ولا تقتصر المشكلات على المعدات. فانتشار آفة «الفاروا»، وهي من أبرز الآفات التي تصيب خلايا النحل، يمثل تهديداً إضافياً، في وقت تراجعت فيه الأزهار والمراعي الطبيعية في القطاع، ما يدفع النحالين إلى تغذية النحل بالماء والسكر للمساعدة على بقائه وتكاثره.
ويشير عاشور كذلك إلى تأثير الأضواء ليلاً، إذ تنجذب بعض النحلات إلى مصادر الضوء ولا تعود إلى خلاياها، ما يؤدي إلى إضعاف المستعمرات. كما أدى انتشار الخيام والزحف السكاني إلى تغيير البيئة المحيطة بالمناحل، بعدما كانت المنطقة قبل الحرب أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً.
وبحسب وليد أبو دقة، مدير جمعية النحالين في قطاع غزة، فإن قطاع تربية النحل كان من أكثر القطاعات الزراعية والحيوانية تضرراً خلال حرب الإبادة، ولم يتبقَّ من مناحل القطاع سوى نحو 1 إلى 2 بالمئة من حجمها السابق.
وقبل الحرب، كان قطاع غزة يضم ما بين 25 ألفاً و30 ألف صندوق نحل، لكن العدد تراجع إلى نحو 2,000 إلى 2,300 صندوق حالياً، فيما يبلغ عدد النحالين قرابة 450 نحالاً، تمكن ما بين 140 و160 منهم من إعادة تنشيط مناحلهم بدرجات متفاوتة وفق أبو دقة.
ويقول لـ"فلسطين" إن بعض النحالين بدأوا من خلية واحدة فقط، ثم قاموا بتغذيتها وتقسيمها تدريجياً حتى وصلت لدى بعضهم إلى خمس أو عشر أو 30 خلية، بحسب الإمكانات المتاحة. كما لجأ آخرون إلى جمع الأخشاب والمعدات من المنازل والمباني المدمرة، في محاولة لصناعة صناديق وبراويز بديلة.
لكن نقص الشمع والمستلزمات العلاجية ومعدات تربية النحل، إلى جانب صعوبة إدخال هذه المواد إلى القطاع، لا يزال أحد أبرز العوائق أمام تعافي المهنة.
بالنسبة للعقاد، لا تمثل الخلايا التي أعاد جمعها مجرد مشروع اقتصادي، بل محاولة للحفاظ على مهنة ارتبطت بسنوات من العمل. فكل خلية جديدة تعني أن شيئاً من منحله القديم ما زال حياً، وكل تقسيم للنحل يمثل خطوة أخرى بعيداً عن الركام.
ومن بين الصناديق الخشبية التي جُمعت من تحت الأنقاض، يحاول العقاد أن يستعيد منحله تدريجياً، لا أن يعيد بناء ما كان عليه فقط، بل أن يمنح النحل فرصة للاستمرار في بيئة تغيرت ملامحها بفعل الحرب والنزوح.
ويقول: "نطالب النحالين حول العالم بنظرة دعم لنحالي قطاع غزة في ظل هذه الكارثة. النحل فيه شفاء للناس، والعسل فيه حيوية. نتمنى أن يقفوا مع نحالي القطاع ليعيدوا بناء مناحلهم وقوتهم، وترجع هذه الحشرة المباركة للنحالين وللقطاع".
في مواصي خان يونس، تبدو رحلة العقاد أشبه بعملية إنقاذ مستمرة؛ خلايا تُرمم، ونحل يُقسّم، وشمع يُعاد بناؤه، وخشب يُجمع من بين الأنقاض.

