على مقربة من الخط الأصفر جنوب حي الزيتون بمدينة غزة، تجاور خيمة مهترئة منزلا مدمرا من خمسة طوابق. حولها يمتد الركام، مع انعدام مقومات العيش، في حين تحلق طائرات الاحتلال المسيرة فوق المكان، ويعيش النازحون على وقع خطر إطلاق النار.
في هذه الخيمة يعيش معتصم شلدان مع أطفاله ووالدته، المصابة بالسرطان، وشقيقه محمد.
فقد معتصم خلال حرب الإبادة الجماعية طفله أحمد، الذي كان يبلغ من العمر خمسة أعوام، ووالده وشقيقته، في حين فقد شقيقه محمد ابنه أنس، البالغ 16 عاما. أما والدته، فتنتظر السفر لتلقي علاج السرطان خارج قطاع غزة.
ومع ذلك، بقيت الأسرة هنا، إلى جوار ما تبقى من منزلها. "هذا أقل شيء احنا بنعمله إنه ضايلين عند بيتنا، نوعا ما بنعيش الذكريات، وبنشوف حبايبنا وجيراننا وبنقول: يا رب"، يقول معتصم لصحيفة "فلسطين"، بينما يتصبب عرقا من أشعة شمس الظهيرة التي لا تقيه الخيمة حرها.
عاد فلم يعرف بيته
في يوليو/تموز 2025، خلال اجتياح إسرائيلي لحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، تلقت الأسرة اتصالا، وفق معتصم، يأمر أهالي المربع بإخلائه خلال سويعات.
"ما لحقناش ناخد إشي.. فعلا أخذنا حالنا وطلعنا من منطقتنا تحت النار"، يستعيد معتصم بهذه الكلمات فصولا سلبت العائلة أغلى ما تملك.
بعد أشهر عدة، عادوا. لكن معتصم لم يجد المكان كما تركه. "بتيجي على الشارع هذا بتتوه.. لفيت المنطقة هذه كلها عشان أعرف إنه هذه دارنا"، وسط دمار على مد البصر، خلفه جيش الاحتلال.
كان المنزل المؤلف من خمسة طوابق قد دُمر، فلم يبق أمامهم سوى نصب خيمة بجوار الركام، في منطقة كانت يوما عامرة، وباتت اليوم كصحراء.
في المكان المحيط بالخيمة، لا توجد نقطة طبية أو مدرسة، والمياه شحيحة، فيما يعيش النازحون وسط خطر إطلاق النار وطائرات الاحتلال المسيرة التي لا تغادر سماء المنطقة.
"وين نروح؟ وين نقعد؟.. وحتى طرود غذائية ما بناخدش". بهذه العبارات، يشير إلى ما يصفه النازحون في المنطقة بتقصير المؤسسات الدولية الإغاثية التي تتذرع بالمخاطر الأمنية.
ابنه أولا.. ثم والده
يحمل معتصم إلى الخيمة أكثر من مجرد حاجيات النزوح.
في ديسمبر/كانون الأول 2023، أصيب ابنه أحمد، البالغ من العمر خمسة أعوام، في قصف إسرائيلي بمنطقة عسقولة. نُقل الطفل إلى المستشفى الأهلي العربي المعمداني جنوب مدينة غزة، لكن والده يقول إن الأسرة لم تجد الأكسجين والإسعاف اللازمين وسط ظروف الحرب.
"قعدنا ندور على أكسجين.. مفش ولا نتفة أكسجين، لا في إسعاف ولا مستشفى قد الدنيا زي المعمداني ولا حاجة"، في وقت كانت المستشفيات والطواقم الطبية هدفا لجيش الاحتلال.
ثم يقول إن الطبيب أخبره: "اطلب العوض من الله".
دفن معتصم ابنه، وفي اليوم التالي، دفن والده الذي استشهد متأثرا بإصابته أيضا. ويقول إن طائرات مسيّرة إسرائيلية لاحقت المشيعين آنذاك في أثناء توجههم إلى المقبرة وأمرتهم بمغادرة المكان.
بعد ذلك، فقدت الأسرة شقيقة معتصم، التي يقول إنها استشهدت مع سبعة من أفراد عائلتها في مجزرة إسرائيلية بعسقولة.
مرض في خيمة
في الجهة الأخرى من الخيمة، تحاول المسنة سلوى شلدان أن تجد طريقا إلى العلاج. أصيبت بالسرطان بعد بدء الحرب، وكانت تتردد إلى مستشفى الشفاء كل شهر للحصول على جرعتها العلاجية. لكنها لم تتمكن من الذهاب إلى موعدها الأخير بسبب تدهور صحتها.
"المرة هادي ما رحت، عيانة ومفلوزة وتعبت، مش قادرة". تقول السيدة لصحيفة "فلسطين"، في وقت لا تتوفر العلاجات المناسبة، مضيفة أن لديها تحويلة للعلاج خارج القطاع، لكنها لا تزال تنتظر السفر مع وجود قيود إسرائيلية. "عملوا إلي تحويلة بس لسه ما طلعت، بناشد عشان أسافر".
ثم تختصر معضلتها في سؤال واحد: "فوق هذا عايشة جنب الخط الأصفر.. إيش أعمل؟ وين أروح؟".
"اليوم عيد ميلادي"
محمد شلدان، شقيق معتصم، يحمل بدوره قصة فقد لا تفارقه. كان ابنه أنس يبلغ 16 عاما عندما خرج معه في يوم عيد ميلاده.
"كان يقلي: اليوم عيد ميلادي، أعطيني فلوس أحلق شعري.. قلت له: بس نطلع بعطيك". كانت المنطقة خطرة، لكنهما خرجا باتجاه محيط مسجد بدر، بحسب محمد.
استهدفتهما طائرة مسيّرة. أصيب الأب والابن، وكان محمد ملقى على الأرض عندما سمع أنس يناديه: "بيزعق عليّ بصوت عالي.. بيقول: يابااااا".
التفت إليه، يقول محمد لصحيفة "فلسطين"، فوجد عيني ابنه مصابتين. استشهد أنس في المكان. ويقول محمد إنهما بقيا نحو خمس ساعات قبل أن يتمكن المسعفون من الوصول إليهما.
البقاء إلى جوار البيت
الآن، تعيش عائلة شلدان في الخيمة تفاصيل الحياة اليومية القاسية.
سلوى تنتظر علاجها، ومحمد يحمل ذكرى أنس، ومعتصم يعيش مع فقد ابنه ووالده وشقيقته، بينما يحاول أطفاله مواصلة حياتهم إلى جوار ركام كان يوما منزلا.
لا توفر المنطقة كثيرا مما تحتاجه الحياة؛ فالماء شحيح، والخدمات غائبة، والخطر قريب. لكن الخيمة لا تزال قائمة بجوار البيت المدمر.
ومع ذلك، يقول معتصم إن بقاءهم إلى جوار منزلهم المدمر ليس مجرد غياب للبدائل. "بل رسالة صمود.. إحنا صامدين".
ثم يعود إلى السبب الذي يبقيه في المكان: "بنعيش الذكريات، وبنشوف حبايبنا وجيراننا".
خارج الخيمة، يمتد الركام حتى الأفق القريب. أما داخلها، فتواصل الأسرة ترتيب يوم آخر في مكان لا تتوافر فيه مقومات الحياة، لكنها تصمم على البقاء فيه.